اليسا الهاشم
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، يظهر نبيه بري كـ "العراب" الذي يتجاوز الوطن، ويقرصن صلاحيات رئاسة الجمهورية التي يخصصها الدستور حصراً بالقرار التفاوضي وإبرام المعاهدات. ما نشهده هو مسار متكامل يُعيد تشكيل وجه البلاد، وينقلها من دولة تحاول باللحم الحي الحفاظ على بقائها وهويتها وجغرافيتها، إلى كيان يُدفع تدريجياً نحو خيارات مصيريّة لا تعبّر عن إجماع وطني.
في قلب هذا المسار، يظهر بري كفاعل سياسي متمرّس بتحويل المجلس النيابي إلى أداة لمشاريعه الخاصة، خاطفاً المجلس ومستغلاً غياب آليات المحاسبة داخلياً وخارجياً. يمسك برقبة الدولة، ويتحكّم بمؤسساتها وقراراتها من رئاسة الجمهورية وصولاً إلى أدنى مستويات السلطة التنفيذيّة، ما يمنحه القدرة على فرض مساره السياسي، تعطيل تنفيذ القرارات الحكومية، والتأثير المباشر في اتجاهات الحرب والتفاوض، حتى على الملفات السيادية والخطوط الحمراء الوطنية بالتعاون والتكافل مع وليد جنبلاط شريك بري التاريخي ورديفه الأيسر في تثبيت هذا المحور والتحكم بالقرار السياسي والنيابي فهما قلب الدولة العميقة.
بري وحزب الله وجهان لعملة واحدة داخل منظومة السلطة نفسها منذ تأسيس الحزب، وهي علاقة بنيوية ثابتة لا ظرفية ولا تكتيكية، تهدف منذ قيامها لإضعاف الدولة والسيطرة عليها وتثبيت تمدّد الجمهورية الاسلامية في عمقها على شواطئ المتوسط مع الابقاء على هيكلها والاختباء وراءه. ومع ذلك، يبقى أساسياً التأكيد أن هذا الخط السياسي لا يعبّر عن جميع الشيعة في لبنان، الذين يشكّلون مكوّناً متنوعاً في مواقفهم الوطنية.
الأخطر لم يعد في غياب القرار، بل في تعطيل تطبيقه. بحسب بيانات رسمية صادرة عن مجلس الوزراء في محطات مفصلية (5 و7 آب و2 آذار)، طُرحت مقاربات واضحة تتعلق بـحصر السلاح بيد الدولة ، ومسار التفاوض مع إسرائيل، ومكافحة اقتصاد الكاش مع منع شبكات التمويل الموازيّة.
لكن هذه القرارات بقيت عملياً حبراً على ورق، ما يكشف خللاً بنيوياً: الدولة تقرّر… لكن لا تنفّذ.
كل محاولة لفتح نافذة سياسيّة، سواء عبر رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، اصطدمت بشروط مرتفعة السقف، وتهديدات بتفجير الداخل والانقلاب على الجمهوريّة، ما أدى إلى تعطيل أي مسار سياسي قبل انطلاقه.
النتيجة: إبقاء لبنان في دائرة مواجهة مفتوحة، بلا أفق واضح.
هذا المسار الانحداري تتمدد مفاعيله لاسيما على علاقات لبنان الخارجية بدءاً مما خرج رسمياً من دول خليجيّة بشأن نشاطات ارهابية وتخريبية مرتبطة بـحزب الله وما يمكن ان ينتج من تدابير أمنية وسياسية واقتصادية مشددة على اثر ذلك، "تحدي واشنطن" عبر تجاهل تحذيراتها وما يعنيه ذلك من مخاطر، ابتعاد عن الدول الأوروبية والعربية الاخرى - باستثناء فرنسا "ماكرون" صديق الثنائي الشيعي.
هذا الثنائي لا يهتم وهو يضع لبنان في موقع متقدم على خط الاشتباك الإقليمي، لا على هامشه.
فحين تُعطَّل قرارات مجلس الوزراء، وحين يُمنع تنفيذ ما يُتفق عليه داخل المؤسسات، وحين تُفرض مسارات استراتيجية من خارجها، نكون أمام واقع يتجاوز التعطيل إلى انتزاع القرار من الدولة نفسها.
اليوم، لبنان يقف على مفترق طرق حقيقي: إما أن تستفيق الدولة لاستعادة سيادتها وقرارها، أو أن تنهار كلياً تحت وطأة احتكار محور بري - جنبلاط - حزب الله للقرار السياسي والنيابي. استمرار هذا الوضع يعني أن مؤسسات الدولة ستبقى أدوات فارغة، تُمارَس عليها الضغوط الداخليّة والخارجيّة، وتصبح القرارات مجرد ورق لا يُترجم على الأرض، فيما المواطن اللبناني يزداد تهميشاً وفقداناً للأمل.
المشهد الراهن يحذر من أن أي تعطيل إضافي للقرارات السياديّة سيقود إلى تصعيد أمني داخلي وخارجي، وتآكل الثقة الداخليّة والخارجيّة، وتضاؤل مساحة الإصلاح، إذ تحتاج أي محاولة لإعادة الدولة إلى عملها الطبيعي إلى توافق نادر بين القوى السياسيّة وجرأة على كسر احتكار القرار من قبل محور محدد. اللحظة الحاسمة التي يمر بها لبنان ليست مجرد اختبار سياسي، بل اختبار لوجود الدولة نفسها، فالقرار الذي تُمارَس عليه السيطرة اليوم لا يتعلق بشخصيّات بعينها، بل بمصير الأمة كلها: إما أن تحكم الدولة نفسها وتعيد تحديد خياراتها ومصيرها، أو أن تصبح رهينة لمحاور وأجندات خارجية وداخلية، بلا قدرة على حماية سيادتها أو ضمان مستقبل شعبها.
في المحصلة، لبنان أمام خيار صريح وواضح: إعادة الدولة إلى أيدٍ وطنية تحمي قراراتها ومؤسساتها، أو الاستسلام لاستمرار دولة شكليّة لا تعكس إرادة شعبها، وتترك البلاد تتدحرج نحو فوضى أوسع وانقسامات أعمق.
بعد الحرب، وكدرس من دروس هذه المرحلة، يجب على اللبنانيين أن يلجأوا إلى إصلاحات دستوريّة جوهرية، وأبرزها وضع آلية فعّالة للمحاسبة والمساءلة، وطرح الثقة بكل رئيس من الرؤساء، لا سيما رئيس مجلس النواب الذي استغلّ حماية الدستور له لإقصاء المغتربين وتعطيل الانتخابات، واستدراج الحروب والاجتياحات والتدمير على لبنان.