الإلهاء الذكي: تحديات الهواتف المحمولة في المدارس
02 Apr 202607:46 AM
الإلهاء الذكي: تحديات الهواتف المحمولة في المدارس
نداء الوطن

مازن مجوز

نداء الوطن
في إحدى المدارس الخاصة في العاصمة بيروت، تستوقفك سياسة صارمة في التعامل مع الهواتف المحمولة للطلاب: تُجمع هواتف الطلاب عند بداية الدوام، وتُعاد إليهم فقط بعد نهاية آخر حصة. لكن سامر ي.( في الصف ثاني متوسط) وهو طالب متفوق حلّ في المركز الثالث في الترتيب العام  الفائت في صفه، ومعروف عنه إدمانه على الهاتف، يقول: "بمجرد انتهاء الدوام يتحوّل الهاتف إلى مغناطيس يجذب ساعات من وقتي على الهاتف، وأشعر بضياع بين متابعة ما جاءني من رسائل على "الواتس أب" وبين متابعة واجباتي المدرسية". ليعلّق أستاذه في مادة الجغرافيا: " الهاتف اليوم بيد الطالب قوة مزدوجة: فهو أداة ترفيه وإلهاء، إنما يمكن أن يصبح محفزًا للتوازن بين التعلم والتكنولوجيا إذا أُدير استخدامه بحكمة".

وفي هذا السياق، يعلّق المهندس علي أحمد وهو خبير في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي للمؤسسات الحكومية والخاصة: " الإدمان على الهواتف الذكية هو عائق كبير أمام التحصيل العلمي اليوم، وخصوصًا أن معظم الطلاب الذين يستخدمون هذه الهواتف بشكل مستمر، حتى خلال فترة الدراسة، يتعرضون إلى تشتيت كبير وخصوصًا في الانتباه؛ ولا يتوقف التشتيت عند عامل واحد. فمثلا أي رسالة، أي إشعار، سيدفع حكمًا حامل الهاتف وبشكل لا شعوري إلى النظر للتعرف إلى مصدرها".

ويتابع أحمد الذي يشغل أيضًا منصب مدير تنفيذي لعدد من شركات التكنولوجيا المحلية والعالمية أنه بالإضافة إلى التشتيت، هناك السهر على الهاتف الذي يؤثر على النوم، وعلى نوعه ومدته، مؤكدًا أن هذه المشكلة ليست في لبنان وحسب بل هي عالمية، لكنها واضحة عندنا أكثر نسبيًا من الكثير من الدول، وهي ليست بالهاتف ذاته، بل بطريقة استخدامه، وخاصة عندما يتحول من أداة مفيدة إلى عائق كبير أمام الطلاب، بدلا من أن تكون مصدر إلهام لهم.

وتظهر دراسة حملت عنوان "إدمان الهواتف الذكية على مستوى الانتباه لدى طلاب المدارس الثانوية"، صادرة في 1 حزيران 2023، عن مجلة الاعتماد أن "زيادة وقت استخدام الهواتف الذكية ترتبط بارتفاع مستويات الإدمان وتقليل الانتباه أثناء الدراسة"، حيث لوحظ أن الطلاب الذين يقضون وقتًا أطول على الهاتف يعانون من مشكلة تشتيت أكبر عن الواجبات والدرس.

وكشفت الدراسة عن أبحاث ميدانية شملت أكثر من 300 مدرسة في هولندا أظهرت أن 75 % من المدارس التي حظرت الهواتف داخل الصف، شهدت تحسنًا ملحوظًا في تركيز الطلاب أثناء الدروس، وثلثها أبلغ عن نتائج تعليمية أفضل بعد تطبيق الحظر.

وانتقالًا إلى تأثير الإدمان على جودة النوم عند الطلاب، بيّنت دراسة بعنوان "إدمان الهاتف المحمول وعلاقته بجودة النوم والتحصيل الدراسي لدى الطلاب (2025)"، منشورة في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية (2025)" أن الإدمان على الهاتف المحمول يرتبط بشكل واضح بسوء جودة النوم لدى الطلاب، كما إنه يؤثر سلبًا على صحتهم وأدائهم الأكاديمي. ومن بين أبرز النتائج وجود علاقة قوية بين الإفراط في استخدام الهاتف وضعف النوم، مع توصيات بضرورة الحد من الاستخدام لتحسين الأداء الدراسي والصحة النفسية

ومن هنا، فإن هذه النتائج تدعم ضرورة ضبط استخدام الهواتف داخل البيئة التعليمية وتطبيق سياسات فعالة للتحكم في الإلهاء، بدل اعتبار الهاتف مجرد أداة مفيدة فقط.

وفي ما يتعلق بأبرز العوامل وراء شيوع هذه الظاهرة بين الطلاب، يشدّد أحمد على أن الوضع الاقتصادي الذي نعاني منه خصوصًا منذ ثورة 17 تشرين، حوّل الهاتف إلى وسيلة ترفيهية في أيدي الكثير من الطلاب؛ بالإضافة إلى تأثير انقطاع الكهرباء والإنترنت بفعل المشاكل التي يعاني منها هذان القطاعان وما يسببانه من خلل في تنظيم وقت الدراسة، مضيفًا أنه "عندما تعود الكهرباء والإنترنت يترك الطالب كتبه ويلتهي بالهاتف كي يعوض النقص الذي حصل لديه نتيجة هذا الانقطاع" .

على مستوى الشعب اللبناني، معروف عنه عشقه للتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يزيد من التشتيت لدى الطلاب، وهنا يرى أحمد أن "التعامل مع هذه الظاهرة يختلف وفق سياسة (ضبط استخدام الهواتف المحمولة) الخاصة بكل مدرسة، والهادفة إلى السيطرة على الظاهرة، حيث أن المنع بات معتمدًا لدى معظم المدارس في لبنان"، لافتًا إلى أن الطالب وبمجرد انتهاء الدوام المدرسي، فإنه سيتحوّل إلى الاستخدام المكثف للهاتف، بغية تعويض حرمانه منه لمدة 6 ساعات، فتراه منعزلًا عن العالم وحاصرًا تركيزه بالهاتف، وعند حديثك معه ربما لا يرد عليك، أو يرد بعد عدة محاولات.

كل هذه الوقائع دفعت الكثير من المدارس إلى إطلاق حملات توعية، للإضاءة على المخاطر والإدمان، إنما يبقى "دور المدرسة وإجراءاتها وسياساتها  ناقصًا ولا يكتمل إلا بدور الأهل، لجهة الرقابة والتوجيه ووضع سياسة مدروسة وعلمية في التعامل مع هذه الظاهرة" وفق تعبيره.

وحول تقييم نجاح هذه السياسات والأساليب، فإنه لا يتبلور إلا من خلال الاعتماد على إحصاءات دقيقة ودراسات ميدانية تشمل المدارس والمعلمين والطلاب والأهالي، إضافة إلى آراء المتخصصين التربويين. وفي هذا السياق، يؤكد التقرير العالمي لرصد التعليم ( UNESCO (2023) ) أن "فعالية السياسات التعليمية تُقاس أساسًا عبر مؤشرات كمية ونوعية مستمدة من البيانات الميدانية، مثل نسب التحصيل والنجاح ومستويات التركيز، كما أصبح اعتماد الأنظمة الرقمية المدرسية أداة أساسية في تقييم الأداء التربوي وتحسينه".

وفي الختام يؤكد أحمد أن المدرسة أو الأهل لا يمكن لإي منهما ممارسة المنع، لأننا اليوم في عصر التكنولوجيا ونعتمد على التعلم التفاعلي، الذي من ضمنه هناك ألعاب التعليمية تجذب الطالب أو التلميذ، وعندما نلاحظ أن هناك مشاركة وأداء، فهذا يعني أن هذه الأساليب فعالة. ويبقى الهدف الأكبر الذي لا يتمثل بإلغاء التكنولوجيا، بل بتحقيق التوازن بين استخدام التكنولوجيا والتحصيل العلمي، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.