في طفولتي، كنتُ أستقبل أحد الشعانين بشغفٍ يشبه انتظار هديةٍ طال ترقّبها؛ ثيابٌ جديدة تفيض ببهجة البدايات، حذاءٌ يلمع كأنّه يختزن خطوات الفرح الأولى، وشمعةٌ بسيطة تتزيّن بأغصان الزيتون وزهر الأروم وأشرطةٍ ملوّنة، كأنّها نشيدٌ صامت للرجاء. غير أنّني أدركتُ مع الزمن أنّ الحُلّة الحقيقية لا تُفصَّل من قماش، إنّما تُنسَج في أعماق القلب حين يتجدّد. هناك، حيث يُدعَى الإنسان أن يخلع عتيقه، وأن يلقي بثقل خطاياه عند قدميّ المخلّص، ليقوم جديدًا، نقيًّا، مهيّأً للدخول معه إلى أورشليم.
إنّه دخول الملك، لكن لا كما اعتادت الممالك؛ ملكٌ وديع، متواضع، راكبٌ على جحش، يتمّم النبوءات ويعلن فجر عهدٍ جديد، تُفتح فيه أبواب الخلاص على مصاريعها لكلّ الشعوب. في هذا المشهد، تتجلّى الهيبة في عمق التواضع، ولا يُقاس المجد بسطوة السيف، بل بفيض المحبّة.
يظنّ البعض أنّ هذا العيد حكاية أطفال، ويغفلون أنّ الطفولة فيه هي سرّ الملكوت. فالمخلّص لم يكتفِ بأن يباركهم، بل أقامهم مثالًا حيًّا، داعيًا كلّ قلبٍ أن يتجرّد ليصير بسيطًا مثلهم، نقيًّا مثل نظرتهم، شفافًا يرى الله دون تعقيد. إنّه نداءٌ للعودة إلى براءةٍ فقدناها، وإلى بساطةٍ تُعيد ترتيب علاقتنا بالله.
نرفع في هذا اليوم أغصان الزيتون وسعف النخيل كإعلان حياة؛ نهتف مع الأطفال: "هوشعنا"، أي "خلّصنا يا ربّ"، لأنّك أنت وحدك الخلاص، وأنت الآتي باسم الربّ. نهتف لا من عادةٍ، بل من حاجةٍ عميقة، من عطشٍ إلى خلاصٍ يحرّر الداخل قبل الخارج.
يدخل ملك السلام أورشليم عالمًا بآلامه، متقدّمًا نحو الصليب بإرادةٍ حرّة، ليحوّل الألم إلى فداء، والموت إلى عبور. وهنا يكمن السرّ: أنّ الطريق إلى القيامة يمرّ حتمًا عبر الصليب، وأنّ المجد لا يُنال إلا ببذل الذات.
فلنسِر معه، ليس طمعًا في مجدٍ أرضيّ زائل، إنما بشوقٍ إلى ملكوتٍ لا يزول. لنفتح له قلوبنا عرشًا، ونسمح له أن يطهّر هياكلنا الداخلية من كلّ ما شوّهها، وأن يعيدنا إلى صورتنا الأولى. لنحمل صليبنا بوعيٍ وإيمان، عالمين أنّه الطريق الذي يقود إلى النور.
نحن، يا ربّ، صاعدون معك
إلى أورشليم العلوية، إلى آلامك الخلاصية، إلى صليبك الذي يهب الحياة، وإلى قيامةٍ تُجدّد كلّ شيء.
فادخل قلوبنا ملكًا، وعلّمنا أن نهتف لك بالحياة كلّها: هوشعنا، خلّصنا يا ربّ..
إنّه دخول الملك، لكن لا كما اعتادت الممالك؛ ملكٌ وديع، متواضع، راكبٌ على جحش، يتمّم النبوءات ويعلن فجر عهدٍ جديد، تُفتح فيه أبواب الخلاص على مصاريعها لكلّ الشعوب. في هذا المشهد، تتجلّى الهيبة في عمق التواضع، ولا يُقاس المجد بسطوة السيف، بل بفيض المحبّة.
يظنّ البعض أنّ هذا العيد حكاية أطفال، ويغفلون أنّ الطفولة فيه هي سرّ الملكوت. فالمخلّص لم يكتفِ بأن يباركهم، بل أقامهم مثالًا حيًّا، داعيًا كلّ قلبٍ أن يتجرّد ليصير بسيطًا مثلهم، نقيًّا مثل نظرتهم، شفافًا يرى الله دون تعقيد. إنّه نداءٌ للعودة إلى براءةٍ فقدناها، وإلى بساطةٍ تُعيد ترتيب علاقتنا بالله.
نرفع في هذا اليوم أغصان الزيتون وسعف النخيل كإعلان حياة؛ نهتف مع الأطفال: "هوشعنا"، أي "خلّصنا يا ربّ"، لأنّك أنت وحدك الخلاص، وأنت الآتي باسم الربّ. نهتف لا من عادةٍ، بل من حاجةٍ عميقة، من عطشٍ إلى خلاصٍ يحرّر الداخل قبل الخارج.
يدخل ملك السلام أورشليم عالمًا بآلامه، متقدّمًا نحو الصليب بإرادةٍ حرّة، ليحوّل الألم إلى فداء، والموت إلى عبور. وهنا يكمن السرّ: أنّ الطريق إلى القيامة يمرّ حتمًا عبر الصليب، وأنّ المجد لا يُنال إلا ببذل الذات.
فلنسِر معه، ليس طمعًا في مجدٍ أرضيّ زائل، إنما بشوقٍ إلى ملكوتٍ لا يزول. لنفتح له قلوبنا عرشًا، ونسمح له أن يطهّر هياكلنا الداخلية من كلّ ما شوّهها، وأن يعيدنا إلى صورتنا الأولى. لنحمل صليبنا بوعيٍ وإيمان، عالمين أنّه الطريق الذي يقود إلى النور.
نحن، يا ربّ، صاعدون معك
إلى أورشليم العلوية، إلى آلامك الخلاصية، إلى صليبك الذي يهب الحياة، وإلى قيامةٍ تُجدّد كلّ شيء.
فادخل قلوبنا ملكًا، وعلّمنا أن نهتف لك بالحياة كلّها: هوشعنا، خلّصنا يا ربّ..