محادثات واشنطن: A Familiar Ghost في غرفة جديدة
14 Apr 202606:28 AM
محادثات واشنطن: A Familiar Ghost في غرفة جديدة
نداء الوطن

أمل شموني

نداء الوطن
يجلس اليوم الدبلوماسيان اللبناني والإسرائيلي في واشنطن- السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يخيئيل لايتر- تحت الرقابة الدقيقة للوسطاء الأميركيين السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ومستشار وزير الخارجية الأميركي مايكل نيدهام. ورغم أن هذا اللقاء يجري تأطيره بعناية على أنه مجرّد محادثة أوّلية وفنية أو اجتماع تمهيديّ، وليس اختراقًا للسلام، إلّا أن مجرّد جلوس دبلوماسيين لبنانيين وإسرائيليين على طاولة واحدة فوق الأراضي الأميركية يستحضر حتمًا ذكريات اتفاق إسرائيل ولبنان الموقع في 17 أيار 1983.

وما يجعل هذه المقارنة مفيدة ليست الأجندة (فالبنود مختلفة بين الحدثين)، بل كون كلتا اللحظتين تكشفان عن الكيفية التي تتفاعل بها الوساطة الأميركية مع السيادة اللبنانية. ففي عام 1983، حاولت الولايات المتحدة هندسة إطار شامل لإنهاء الحرب في بلدٍ كان يرزح تحت الاحتلال ويخوض حربًا أهلية. أمّا عام 2026، فيبدو أن واشنطن بصدد بناء مسار أضيق وذي طابع إجرائيّ، يركّز على إدارة التصعيد. ويعتبر هذا التحوّل انعكاسًا للنظام الإقليمي المغاير، إذ انتقلنا من سياق التنافس في حقبة الحرب الباردة - حيث كانت سوريا تمثل اللاعب الرئيسي الذي يمتلك حق النقض في هذه المنطقة - إلى بيئة إقليمية تتمحور حول الحروب بالوكالة تنعكس على رسم حدود الحراك الدبلوماسي.

1983 باختصار

جاء اتفاق 17 أيار في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحصار بيروت. وقد أعلن الاتفاق، الذي توسّطت فيه الولايات المتحدة، نهاية حالة الحرب، وأقرّ الحدود الدولية، ورسم خريطة لانسحاب إسرائيلي مرحلي يرتبط بترتيبات أمنية في جنوب لبنان، وهي ترتيبات كانت تقوم على فرضية أن يتولّى الجيش اللبناني السيطرة على المنطقة في نهاية المطاف. لكن بحسب دراسة بحثية للدكتور هشام بو ناصيف، استندت إلى وثائق أميركية رُفعت عنها السرية كشفت عن عيبٍ قاتل في جوهر تصميم ذلك الاتفاق: إذ ربطت الضمانات الأميركية فعليًا بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل والانسحاب السوري، ما حوّل دمشق إلى لاعب يمتلك "حق النقض" بحكم الأمر الواقع في ما يتعلّق بتنفيذ الاتفاق. وهكذا، كان لبنان يخوض تلك المفاوضات وهو في وضع دولة ممزقة الأوصال، في حين تمّ إنجاز الاتفاق كمفاوضة إقليمية دون موافقة إقليمية.

في المقابل، يُوصف تدخل واشنطن في عام 2026 بأنه قناة محدودة بين الدولتين (اليوم على مستوى السفراء وبرعاية أميركية)، تهدف إلى إرساء مفاوضات واحتواء التصعيد، لا إلى إعلان السلام أقلّه حتى الساعة. وتتمثل الدوافع المباشرة في حفظ أمن الحدود، والحاجة السياسية لبيروت لإظهار أن الدولة اللبنانية (لا الفصائل المسلّحة وأبرزها ميليشيا "حزب اللّه") هي المرجع في أيّ تفاهمات. ويُعدّ هذا النطاق الأضيق اعترافًا بما كشفته أحداث عام 1983 من تجاوز موازين قوى على أرض الواقع.

الاختلافات الجيوسياسية الجوهرية

كان اتفاق عام 1983 اتفاقًا من حقبة الاحتلال ضمن خريطة الحرب الباردة. كانت إسرائيل متمركزة فعليًا في جميع أنحاء لبنان، كما كانت سوريا حاضرة عسكريًا وسياسيًا. أمّا الدور المسلّح لمنظمة التحرير الفلسطينية، فرغم تراجعه، فقد ظلّ مؤثرًا في النقاش الإقليمي حول مستقبل لبنان. بالنسبة إلى واشنطن، مثل لبنان أزمة محلية ومسألة مصداقية في آنٍ واحد، في منطقةٍ كانت تُعدّ فيها إعادة تسليح سوريا المدعومة من الاتحاد السوفياتي وسياسات التحالف العربي ذات أهمية بالغة. ولذلك، فإن أي اتفاق لبناني إسرائيلي كان بمثابة استفتاء على ما إذا كانت سوريا ستُدفع إلى الخارج أم ستُمنح القدرة على تحديد مسار الأحداث النهائية.

في المقابل، يقع عام 2026 ضمن منظومة إقليمية لردع الوكلاء. فالمنافسة الاستراتيجية المركزية لا تتعلّق كثيرًا بالتحالفات التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، بل بشبكات "حزب اللّه" المؤتمرة بإيران، وقدراتها الصاروخية والمسيّرة، وخطر تحوّل الاشتباكات المحلّية إلى تصعيد إقليميّ. إن ترسانة "حزب اللّه" وموقفه على الجبهة الجنوبية للبنان ليسا قضية لبنانية "هامشية"، بل هما ساحة معركة إيران ضد إسرائيل. في الوقت نفسه، غيّر التطبيع العربي الإسرائيلي الجزئي المشهد الإقليمي للدبلوماسية الإسرائيلية، ما جعل التواصل أقلّ استثنائية بالنسبة لبعض العواصم.

تبقى العقدة نفسها: الدولة تتفاوض دون احتكار القوّة. في عام 1983، كان ذلك بمثابة التفكك العلني للحرب الأهلية. وفي عام 2026، قد تكون مؤسسات الدولة اللبنانية أكثر تماسكًا على الورق، لكن وجود "حزب اللّه" المسلّح وعلاقاته الخارجية التي تحميه، لا يزال يحدّ ممّا يمكن لبيروت أن تعد به وما يمكنها فرضه.

الوساطة الأميركية:مهندس، ضامن، منظم

في عام 1983، حاولت واشنطن تصميم حلّ نهائي. لم يقتصر دور الدبلوماسيين الأميركيين على الاستضافة فحسب، بل قاموا بصياغة وممارسة الضغط ومحاولة الجمع بين الدبلوماسية وجهود تحقيق الاستقرار على أرض الواقع. لكن الوساطة تضمّنت أيضًا وعودًا متناقضة: دفع لبنان وإسرائيل نحو إطار عمل لإنهاء الحرب مع طمأنة إسرائيل من خلال شروط عززت فعليًا الدور السوري المعطّل. وحينما تصاعدت وتيرة العنف، الذي بلغ ذروته بشن هجمات استهدفت القوات الأميركية وقوات الحلفاء في بيروت، وحينما عجز الجيش اللبناني عن فرض سلطة الدولة، وجدت الولايات المتحدة نفسها تفتقر إلى آلية مستدامة لتنفيذ الاتفاق. وهكذا، بات بقاء الصفقة مرهونًا بهيكل أمني انهار بسرعة فاقت سرعة بناء المؤسسات.

وفي عام 2026، يُرجَّح أن تكتفي واشنطن بإدارة عملية سياسية تحث على التوصّل إلى تسوية شاملة بدل فرضها. ويجري تصوير الاجتماعات المرتقبة في واشنطن على أنها قناة تواصل "منضبطة"، تهدف إلى تحديد إطار العمل، وتقليص نطاق الأهداف، وترتيب الخطوات زمنيًا بحيث تتمحور حول شروط وقف إطلاق النار، وتهدئة التصعيد في مقابل إصرار أميركي وإسرائيلي على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية عبر حصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية فقط. وتكمن ميزة الولايات المتحدة في قدرتها على حشد الأطراف وفي ما تمتلكه من نفوذ لدى إسرائيل. أما القيود التي تواجهها فتتمثل في الدرس ذاته الذي استُخلص عام 1983: وهو أن واشنطن قد تنجح في التوسط لصياغة نص اتفاق، لكنها عاجزة عن خلق توافق لبناني داخلي أو نزع سلاح الجهات المعرقلة للعملية. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن المقاربة الأميركية الراهنة تقوم على طموحات أكثر تواضعًا وانخراط مباشر أقل، إذ تتضمّن وعودًا أقل بتقديم الضمانات، وتركيزًا أكبر على الامتثال التدريجي واحتواء الأزمات.

شبح الأزمة الاقتصادية

لا بدّ من الإشارة إلى أن اجتماعات واشنطن تنعقد بينما لبنان يرزح تحت وطأة حروب الإسناد وانهيار اقتصادي أشدّ فتكًا، إلّا أنه لم يعد غارقًا في أعماق حرب أهلية (رغم المخاوف من حدوثها). من جانب آخر، يبدو المشهد الإقليمي مختلفًا: إذ ينصبّ تركيز إسرائيل الرئيسي في ما يتعلّق بالتهديدات على إيران ووكلائها، بدلًا من لبنان كدولة؛ كما أن الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة باتت أقلّ انشغالًا بتحقيق الاستقرار، وأكثر تركيزًا على تمكين الحلفاء وردع التصعيد؛ أمّا سوريا، فلم تعد تؤدّي دور "المهيمن" الذي اضطلعت به في حقبة الثمانينات.

وعليه، فإن السؤال العملي الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت قناة التواصل لعام 2026 قادرة على تجنب "فخ عام 1983": أي التوصّل إلى اتفاق ينهار سنده الجيوسياسي، ولا تترسّخ شرعيته الداخلية أبدًا. وإذا ما أحرزت المحادثات تقدّمًا، فإن المؤشر الدال على نجاحها سيكون "التواضع"؛ فكلّما بدا جدول الأعمال أقرب إلى عملية "فضّ اشتباك" قابلة للتحقق وتتسم بآليات واضحة، ومطالب محدودة، ومساحة كافية لتوفير غطاء سياسي لبناني لها، زادت فرص بقائه واستمراره. وعلى النقيض من ذلك، كلّما بدا الاتفاق أشبه بتصميم لـ "إنهاء الحرب" دون أن يستند إلى صفقة إقليمية قابلة للتنفيذ، زادت مخاطر تحوّله مرة أخرى إلى ذلك "الشبح المألوف": نصٌ توسطت فيه الولايات المتحدة، لكن لبنان يعجز عن الدفاع عنه داخليًا أو تطبيقه على أرض الواقع.