يستطيب المسيحيون مواسم الأعياد، ولا سيّما أحد الشعانين والأسبوع العظيم وعيد القيامة، فتغصّ الكنائس بالمؤمنين الذين يفدون للصلاة والمشاركة في الرتب الليتورجية التي تحييها كنائسهم. وكأنّ السنة الطقسية تُختصر في هذه الأيام، مع أنّها، على عظمتها وعمقها الروحي، ليست سوى قمّة مسيرة إيمانية تمتد على مدار العام.
مبارك هذا الحضور الكثيف، لعلّه يكون ينبوعًا يفيض نعمةً في القلوب، فيشعل الإيمان ويغذّي الالتزام لمسيرة حياة كاملة.
الأعياد المسيحيّة ليست محطات زمنية. هي لحظات خلاصية تتجدّد فيها الذاكرة الروحية، فنستعيد أحداث حياة المسيح، وننفتح على معناها الحيّ فينا. وفي طليعتها عيد القيامة، عيد الانتصار على الموت، ورجاء الحياة الجديدة، الذي يشدّد روابط المحبة في العائلة والمجتمع، ويعيد ترتيب الأولويات في ضوء الخلاص.
غير أنّ هذه الأعياد لا تُفهم إلا في سياق ما يسبقها: زمن الصوم والصلاة، حيث ينخرط المؤمن في جهاد روحي صاعد، يرتقي فيه درجات الفضائل، متحدًا بالآخرين في الإيمان والرجاء والمحبة، ساعيًا إلى خلاصه وخلاصهم.
لكنّ ما يعكّر صفو هذه الصورة، بعض المظاهر الاحتفالية التي تطغى عليها القشرة الفولكلورية، فتنحرف بالعيد عن جوهره، وتختزل عمقه في مشهديّات عابرة. ويساهم في ذلك حضور موسميّ يختفي مع انقضاء المناسبة، كما لا يخلو الأمر من توتّر أو تذمّر لدى بعض الملتزمين، رغم أنّ دعوتهم الأولى أن يكونوا شهود فرح القيامة، لا أسرى انشغالاتها الثانوية.
إنّ الإيمان بالقيامة هو نبض الحياة في قلب المسيحي؛ من لا يختبر هذا الإيمان، يبقى غريبًا عن سرّ الحياة الحقيقية. فالقيامة إعلان أنّ المسيح قد غلب الموت، وفتح باب الرجاء لكل إنسان. من تشرق عليه أنوار القائم، لا يعود أسير ألم أو ظلمة، لأنّ المسيح، في تواضعه، رفيق أوجاعنا، وفي قيامته، أفق رجائنا الأبدي.
هذا الإدراك مدعوّ لأن يوقظ فينا وعيًا أعمق: أن لا نحصر علاقتنا بالله في مواسم، بل نحياها كل يوم. فالفرح بالقيامة لا يُؤجَّل إلى أسبوع بعينه، بل يُعاش في كل قدّاس، في كل أحد، وفي كل لحظة نلتقي فيها الربّ بقلبٍ حيّ.
إنّ الأعياد الكنسية، بما تحمله من غنى روحي، هي دعوة دائمة إلى التوبة، إلى تذكّر إحسانات الله، إلى الاقتراب منه بمحبة الأبناء وخشيتهم. وهي فرصة لنخلع عنّا كل ما يثقِلنا من فوضى وضجيج، فنحيا بلياقة وترتيب، محافظين على قداسة العبادة، وساعين أن نكون، حقًا، شهودًا للحق، لا شهود زور.