نواف سلام إلى لوكسمبورغ: تثبيت السيادة على طاولة 27 دولة
20 Apr 202615:26 PM
نواف سلام إلى لوكسمبورغ: تثبيت السيادة على طاولة 27 دولة
في لحظة سياسية دقيقة، لا تبدو الزيارة التي يقوم بها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى لوكسمبورغ مجرّد محطة دبلوماسية عادية، بل أقرب إلى اختبار حقيقي لدور لبنان في المرحلة المقبلة.

 غداً الثلاثاء، يجلس سلام إلى طاولة واحدة مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في لقاء يتجاوز شكله البروتوكولي ليحمل في مضمونه أسئلة عميقة تتعلق بموقع الدولة اللبنانية وحدود قرارها.
المشهد ليس تفصيلاً. لبنان، الذي اعتاد أن يكون موضوع نقاش في الغرف الدولية، يجد نفسه هذه المرة حاضراً داخلها، يقدّم روايته بنفسه، ويحاول أن يعيد تعريف صورته كدولة تسعى إلى استعادة قرارها، لا كساحة تتقاطع فوقها المصالح. ومن هنا، يصبح الاجتماع مناسبة لطرح رؤية واضحة: تثبيت وقف إطلاق النار ليس هدفاً بحد ذاته، بل مدخل لمسار أوسع، عنوانه الاستقرار الدائم، وأداته التفاوض، وسقفه الدولة.
في هذا السياق، لا يكتفي سلام بعرض موقف نظري، بل يستند إلى واقع داخلي بدأ يتشكّل. فالإصرار على تمسّك الدولة بقرار الحرب والسلم لم يعد مجرد شعار، بل بات جزءاً من المقاربة السياسية التي تعكسها التركيبة الحكومية نفسها، والتي جاءت نتيجة توازنات دقيقة، لكنها حملت في جوهرها اتجاهاً واضحاً نحو إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة ودورها السيادي. هذا التوجّه تعزّز أيضاً من خلال الدفع الرئاسي، حيث يشكّل دور رئيس الجمهورية جوزاف عون عاملاً أساسياً في تثبيت هذا المسار، عبر مبادرة واضحة تُصرّ على أن يكون قرار السلم والحرب حصراً بيد الدولة.
لكن ما يميّز مقاربة سلام لا يقف عند حدود التوصيف أو التوازنات، بل يتقدّم نحو عناد سياسي واضح في اتجاه واحد: بناء دولة قادرة. هذا العناد لا يُقرأ كتشدد سلبي، بل كإصرار على عدم التراجع أمام الضغوط الداخلية أو الإملاءات الخارجية، وعلى تثبيت فكرة أن أي تسوية لا تمرّ عبر مؤسسات الدولة تبقى تسوية هشّة وقابلة للانفجار في أي لحظة. في هذا المعنى، يبدو سلام منحازاً بوضوح إلى خيار الدولة، حتى لو كلّفه ذلك مواجهات سياسية أو بطئاً في تحقيق النتائج.
هذا الإصرار ينعكس في اللغة التي يعتمدها، وفي المسار الذي يحاول تكريسه: دولة تفاوض باسم نفسها، وتقرّر من داخل مؤسساتها، وتضع حدوداً فاصلة بين ما هو وطني وما هو مرتبط بتقاطعات الخارج. وهو ما يمنح حضوره في لوكسمبورغ بعداً إضافياً، إذ لا يأتي فقط لطلب الدعم، بل ليقول إن لبنان يحاول فعلياً أن يعيد بناء موقعه كدولة كاملة الصلاحيات.

أما أوروبا، التي لطالما اكتفت بدور الداعم أو المراقب، فتبدو اليوم أكثر ميلاً للانخراط المباشر. ليس فقط من باب الاهتمام بالاستقرار الإقليمي، بل أيضاً لحماية مصالحها، ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهات مفتوحة. لذلك، فإن حضور وزراء خارجية 27 دولة ليس تفصيلاً عددياً، بل إشارة سياسية إلى أن هناك توجهاً أوروبياً للتعامل مع الملف اللبناني كقضية موحّدة، لا كسلسلة ملفات ثنائية متفرقة.
ولا ينفصل هذا المسار عن الحضور الفرنسي التقليدي، حيث يُتوقع أن ينتقل سلام بعد الاجتماع إلى باريس للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون، في محاولة لاستثمار الزخم الأوروبي في خطوات أكثر تحديداً، سواء على مستوى دعم الدولة أو دفع المسار التفاوضي قدماً.
ومع ذلك، تبقى كل هذه الحركة الدولية معلّقة على عامل داخلي حاسم. فلبنان، مهما حظي بدعم الخارج، لن يتمكن من ترجمة هذا الدعم ما لم ينجح في تثبيت هذا المسار السيادي فعلياً، وتحصينه سياسياً ومؤسساتياً، بحيث لا يبقى عرضة للاهتزاز مع أول اختبار ميداني أو سياسي.

هنا تحديداً تكمن أهمية لقاء لوكسمبورغ. ليس لأنه سيقدّم حلولاً جاهزة، بل لأنه يفتح باباً: باب تثبيت معادلة جديدة قوامها أن الدولة اللبنانية بدأت تستعيد دورها، وأن قرارها لم يعد تفصيلاً في حسابات الآخرين. وبين هذا الباب وما قد يليه، يقف لبنان أمام لحظة فاصلة، عنوانها الواضح "إما أن يكرّس حضوره كدولة تمتلك قرارها… أو أن يعود إلى دوّامة الأدوار المتنازعة على أرضه".