هجرةٌ من نوع آخر بين اللبنانيّين... ومؤشّرات صادمة!
13 May 202606:40 AM
هجرةٌ من نوع آخر بين اللبنانيّين... ومؤشّرات صادمة!
كريستال النوار

كريستال النوار

خاص موقع Mtv
لا يكفي أن نقول إنّ الصحّة النفسيّة "مهمّة" في أيار 2026، فهي أصبحت معيار القدرة على الاستمرار.

في الشهر العالمي للتوعية بالصحّة النفسيّة، تُشير تقديرات منظمات دوليّة إلى ارتفاع مؤشّرات القلق والاكتئاب في لبنان بشكلٍ ملحوظ منذ 2019، مع تسجيل نسب أعلى لدى الشباب والنساء. لكنّ الأرقام، بحدّ ذاتها، لا تشرح الصورة كاملة. ما يعيشه اللبناني هو حالة "ضغط مزمن"، ليس صدمة واحدة تنتهي بل سلسلة أزمات مفتوحة تجعل الصحة النفسيّة ملفًّا غير منفصل عن الواقع بل هي انعكاس مباشر له. والأبشع أنّ الحالات لم تعد فرديّة إنّما باتت نمط حياة مفروضاً على الناس، يُراكم الضّغط ويزيد من حالة "عدم اليقين المستمرّ".
هكذا تُستنزف صحّة المواطن الجسديّة والنفسيّة، مع التشديد على كلفة العلاج النفسي التي أصبحت بنفسها عبئاً حيث أنّ جلسةً واحدة تُعادل نسبةً كبيرة من الدخل الفردي، في بلدٍ يغيبُ فيه أيّ نظام تغطية فعّال لهذا النوع من الخدمات. والنتيجة... زيادة الوعي للحاجة إلى تلقّي المُساعدة مع ارتفاع الشّعور بالعجز وتفاقم القلق والاضطرابات النفسيّة.
في المقابل، برزت أنماط تكيُّف جديدة واعتماد استراتيجيات بقاء، إذ يلجأ البعض إلى العمل المفرط كوسيلة للهروب، آخرون إلى الانعزال، وغيرهم إلى "الهجرة" النفسيّة مع تقليل التفاعل وخفض التوقّعات والعيش بـ"الحدّ الأدنى العاطفي".

وبالعودة إلى الشهر العالمي، يعتمد موضوع هذا العام عنوان "أيام أكثر جيّدة، معاً" أو "More Good Days, Together". ويركّز على تشجيع الجميع على التأمّل في ما يعنيه "اليوم الجيّد" سواء لأنفسنا أو لمجتمعاتنا. معاً، يُمكننا استخدام هذه الرؤية لربط الأشخاص بالدعم المُناسب في الوقت المُناسب، وصياغة جهود المناصرة والتعليم والمشاركة المجتمعيّة بما يُساهم في جعل المزيد من الأيام الجيّدة مُمكنة للجميع، ولو بحدّها الأدنى مع كلّ الضغوط التي نعيشها.
كذلك، يطرح شهر التوعية هذه السنة سؤالاً عمليًّا: ما الذي يُمكن فعله ضمن الإمكانات المُتاحة؟ الجواب يبدأ بخطوات صغيرة لكنها قابلة للتطبيق، مثل إعادة تنظيم اليوم ولو بقدرة بسيطة جدًّا لكسر الفوضى المستمرّة، تقليل التعرّض للأخبار المتوتّرة خصوصاً في فترات الليل قبل النوم، الاعتراف بالحاجة إلى المُساعدة حتى لو بدأت بدائرة قريبة من صديق أو فرد من العائلة أو مختصّ. كما يُمكن الضّغط، كلٌّ من موقعه، باتجاه إدخال الصحة النفسيّة ضمن أيّ نقاش جديّ لإصلاح القطاع الصحي وأماكن العمل.
المطلوب هنا ليس المثاليّة، بل الواقعيّة، والتصرّف بما يُمكن تغييره حتّى لو كان بسيطاً.

الرسالة من هذه السّطور ليست أن "تكون بخير طوال الوقت"، بل أن تعرف متى لستَ بخير، وماذا تفعل حيال ذلك. فالصحّة النفسيّة لم تعد ترفاً بل شرط بقاء مع أمل بسيط أن يكون الغد أقلّ ثقلاً من اليوم.