اليسا الهاشم
خاص موقع Mtv
في رسالة عيد الأضحى التي صدرت عن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، لا يمكن التعامل مع النص بوصفه خطاباً دينياً مرتبطاً بالشعائر، بل هو إعادة توظيف ممنهجة للغلاف الديني نفسه في خدمة مشروع سياسي–أيديولوجي، حيث تُستخدم الرمزية الدينية لتثبيت سردية القوة وإعادة إنتاج معنى الصراع في الإقليم.
منذ البداية، يفرض الخطاب إطاراً تفسيرياً صارماً يقوم على إعادة توصيف الحرب الحالية ضمن ما يُقدَّم بوصفه “نصر الحرب المفروضة الثالثة”. لكن هذا التوصيف لا يعمل كإعلان نتيجة عسكرية فقط، بل كعملية إعادة هندسة للحدث نفسه، بحيث لا يُقدَّم كصراع انتهى بوقائعه، بل كحلقة تأسيسية داخل سردية تاريخية ممتدة. بهذا المعنى، يتم تحويل الحرب من مواجهة ظرفية إلى عنصر داخل ذاكرة سياسية–عقائدية تُستخدم لتثبيت الاستمرارية لا لمساءلة النتائج.
في المستوى الأعمق، يقوم الخطاب على ثلاثية مفاهيمية متكررة: “الحضارة الإسلامية الجديدة”، “مستقبل الأمة”، و”النصر النهائي”. هذه المفاهيم لا تُطرح كشعارات تعبئة، بل كتصور متكامل لمشروع أيديولوجي طويل النفس يتجاوز منطق الدولة، ويعيد تقديم إيران كقوة مركزية في مشروع ديني سياسي توسعي عابر للحدود.
ضمن هذا الإطار، يتم تثبيت الولايات المتحدة وإسرائيل ليس كخصوم سياسيين ضمن نزاع قابل للتفاوض، بل كجزء من تعريف ثابت لـ”العدو البنيوي”. هذه اللغة تنقل الصراع من مستوى السياسة إلى مستوى الوجود، حيث تصبح المواجهة حالة دائمة تُدار عبر الزمن بدل أن تُحسم ضمن تسويات.
أحد أكثر عناصر الخطاب دلالة هو الاستخدام المكثف لعبارة “الله أكبر”، التي لا تظهر هنا كصيغة دينية منفصلة، بل كإيقاع تعبوي متكرر داخل سردية الحرب والانتصار. هذا التكرار يمنح العبارة وظيفة تتجاوز معناها الروحي، لتتحول إلى أداة نفسية–سياسية تربط العقيدة بالفعل السياسي والعسكري، وتعيد إنتاج مفهوم القوة ضمن إطار تعبوي مستمر.
في البعد الداخلي، لا يقتصر الخطاب على "جمهور" النظام، بل يتجه إلى المجتمع الإيراني ككل، مع تركيز خاص على الجيل الشاب. يتم إعادة توظيف مفاهيم الحج الأساسية مثل الإحرام، الطواف، السعي، ورجم الشيطان، لتتحول إلى استعارات لسلوك سياسي واجتماعي دائم، قائم على التعبئة المستمرة والانخراط في مشروع الصراع كحالة حياة، لا كطقس ديني موسمي.
هذا الأمر يكشف أن الهدف لا يقتصر على تثبيت رواية الحرب، بل يتعداه إلى محاولة إنتاج جيل جديد يعيد إنتاج هذه السردية، بما يضمن استمرارية المشروع عبر الزمن وليس فقط عبر اللحظة السياسية الراهنة.
إقليمياً، يعيد الخطاب رسم الجغرافيا السياسية للصراع بطريقة تتجاوز منطق الدول. فلبنان يأتي في الصدارة ضمن هذا التصور، بوصفه أول الساحات التي يتم تعدادها وأكثرها كثافة في الإحالة، بما يعكس موقعه المحوري كأداة مواجهة متقدمة في معادلة الصراع، وهو ما ينعكس عملياً على دور حزب الله بوصفه الامتداد الأكثر حضوراً لهذا التموضع في البنية الإقليمية. فيما يُعاد تأكيد دمج إسرائيل والولايات المتحدة داخل منظومة صراع واحدة. وتمتد هذه الرؤية إلى فضاءات أوسع تشمل الخليج ومحيطه وصولاً إلى باكستان، ضمن تصور يقوم على وحدة ساحات الصراع وتداخلها ضمن معركة متعددة الجبهات.
وتبرز حالة باكستان هنا بوصفها نقطة تقاطع شديدة الحساسية، إذ يتم إدراجها في صلب هذا البناء، كجزء من محور تتداخل فيه الوظيفة السياسية مع البعد الرمزي، في الوقت الذي تؤدي فيه دور الوسيط المركزي في المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، حيث جرت مسارات الحوار فعلياً وبشكل مباشر في إسلام آباد. هذا التداخل بين موقعها كمنصة تفاوضية وبين تموضعها داخل هذا التصور يعيد طرح تساؤلات جدية حول مدى موضوعية اعتمادها كوسيط، إذ إن إدراجها ضمن هذا البناء الإقليمي على هذا النحو يضرب ويسقط حياديتها المفترضة ويجعل دورها التفاوضي محل تشكيك متزايد لا يحتمل التبسيط.
أما في توصيف المرحلة الحالية، فلا يقدم الخطاب أي إشارة إلى نهاية المواجهة، بل يطرح مرحلة “توازن ردع هش”. أي حالة لا حرب شاملة فيها ولا سلام مستقر، بل صراع منخفض الشدة، مستمر وقابل للتصعيد، يُدار ضمن منطق طويل الأمد يعيد إنتاج التوتر كحالة دائمة لا كاستثناء.
الأكثر حساسية في هذا البناء هو طريقة تحويل نتائج الحرب الحالية من عنصر اختبار أو استنزاف إلى عنصر تثبيت. إذ لا تُقدَّم النتائج ككلفة سياسية أو عسكرية، بل كدليل إضافي على صحة المسار، بما يعمّق منطق أن المواجهة لا تنتج مراجعة، بل تنتج مزيداً من التمسك بالنهج نفسه.
في المحصلة، لا يقدم هذا الخطاب مجرد قراءة لمرحلة ما بعد الحرب، بل يعمل على إعادة تعريفها بالكامل: تحويل النصر إلى سردية تأسيسية، والصراع إلى حالة دائمة، والجمهور الداخلي إلى قاعدة تعبئة مستمرة، ضمن مشروع يُقدَّم بوصفه مشروعاً حضارياً شاملاً يتجاوز الدولة والحدود نحو معركة طويلة المدى مفتوحة على الإقليم والعالم.
بناءً على ما سبق، يطرح هذا الخطاب سؤالاً استراتيجياً واسعاً حول مدى إمكانية بناء أي معادلة استقرار أو اتفاقات طويلة الأمد في الإقليم، في ظل خطاب يعيد تثبيت منطق المواجهة ويؤكد سردية “النصر” بوصفها عقيدة سياسية مستمرة.
فمع إعادة إنتاج هذا النوع من التصور العقائدي، تبدو البيئة الإقليمية أمام تحديات عميقة تمسّ أسس الثقة الإقليمية، سواء لدى دول الخليج أو الولايات المتحدة أو دول المنطقة عموماً، في وقت يعيد فيه هذا الخطاب تعريف قواعد الاشتباك لا قواعد التسوية.
بقاء النظام يعني ان السلام مستحيل، فإيران في ظل حكم الملالي لن تنخرط في أي مشروع إقليمي يتضمن دمج إسرائيل في نسيج المنطقة.