العطاءُ المغبوط
13 Jun 202607:42 AM
العطاءُ المغبوط
إنّ الالتفات إلى الفقير والمظلوم هو جوهرُ المحبّة حين تتجسّد خدمةً وبذلًا. غير أنّ رسالة الكنيسة في العالم لا تقف عند حدود التخفيف من آلام الناس، بل تتجاوز ذلك إلى مواجهة الجذور التي تُنبت الفقر والظلم وسائر صنوف القهر. وهذا ما نهلناه من مبادئ حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، تلك المبادئ التي أورثنا إيّاها الآباء المؤسّسون أمانةً حيّةً ومسؤوليّةً روحيّة.

لم نسمع يومًا المطران جورج خضر يتحدّث عن عطاءٍ مشروط أو محسوب، لأنّه كان يرى في الفقراء سادةً لنا، لا موضوعَ شفقةٍ أو مِنّة. فالعطاء في فكره لم يكن مجرّد تقديم مالٍ أو سدّ عوز، بل كان فعلَ محبّةٍ مجانيّة، يهب فيه الإنسان ذاته قبل أن يهب ممّا يملك. وكان يرى أنّ المعطي الحقيقي لا ينقص بالعطاء، بل يتّسع قلبه، ويتطهّر من أنانيّته، ويصير امتدادًا حيًّا لمحبّة الله في هذا العالم.

ولعلّ روح الإنجيل كلّها تتكثّف في هذه الكلمة الرسولية الخالدة: «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ» (أعمال الرسل ٢٠: ٣٥).

فالعطاء المادّي، على جلاله، ليس سوى وجهٍ من وجوه الكرم. أمّا العطاء الأسمى فهو كرم النفس، ذاك الذي يجعل الإنسان يكسر قوقعة ذاته ليهب قلبه للآخرين، فيفيض دفئًا ورحمةً وسلامًا. ولهذا قيل: «وبرّه يدوم إلى الأبد» (٢ كورنثوس ٩: ٩)، لأنّ الكريم لا يوزّع أموالًا فحسب، بل يوزّع حياةً ورجاءً وعزاءً.

إنّ العطاء الحقّ يولد من إدراك الإنسان أنّ كلّ ما عنده هو نعمةٌ مستمدّة من الله، وأنّه ليس مالكًا حقيقيًّا لشيء، بل مؤتمنٌ على عطايا السماء. لذلك يترجم المؤمن امتنانه لله في تعامله مع الناس، مصغيًا إلى الوصيّة الإلهيّة: «مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا».

أيّها القارئ العزيز، إنّ العطاء الذي يرضي الله لا يصدر عن خوفٍ أو إلزام، بل عن حرّيّة القلب وفرحه. فالله «يحبّ المعطي المسرور» (٢ كورنثوس ٩: ٧). ومن يعطي بسخاء، مؤمنًا بأنّ الله لا يتركه محتاجًا، ينال منذ الآن عربون الملكوت: سلامًا داخليًّا لا يُشترى، وفرحًا لا يُنتزع.

وفي الختام، يبقى العطاء سرًّا من أسرار العدالة الإلهيّة في العالم: فالمحتاج ينال ما يعينه على الحياة، والمعطي ينال ما يحيي روحه. وهكذا تتحقّق شركة المحبّة بين البشر، ويغدو العطاء لغةً سماويّةً تتجلّى فيها صورة الله في الإنسان.
والسلام.