تتراكم هفواتُ الإنسان كرمالٍ لا تُحصى، وتتوالى زلاّته كأمواجٍ لا تنقطع، غير أنَّ اعترافَ النفسِ بزَلّتها يُجلي غبارَ الضعفِ عن مرآتها، ويدلُّ على انسحاقِها بين يديِّ العليِّ، فتستدرُّ بذلك رحماتِه الحنونَ التي تسعُ الخاطئين.
يقيني راسخٌ أنَّ المذنبَ يملك جرأةَ الإقرارِ بزلّته، مهما تعاظمتْ في عينيه، إلا المتكبّرَ، فهذا قد حكمتْ عليه النصوصُ المقدسةُ بأشدِّ العبارات، وعدّته خطيئةً قلبيةً تغلقُ دونه أبوابَ السماء، وتقذفُ به في وادي الهلاك. فاللهُ، كما أخبرتنا الكتبُ، يُقاومُ المستكبرين ويُبغضُ العجرفة، ويجعلُ التواضعَ مفتاحَ طريقِ البِرِّ وسراجَ الهدى.
نرتدُّ دوماً إلى الإنجيل المجيد، حيث يصدحُ نشيدُ مريم في إنجيل لوقا: "حَطَّ المقتدرينَ عن الكراسي، ورفَعَ المتواضعين، أشبعَ الجياعَ خيراً والأغنياءَ أرسلهم فارغين" (لوقا ١: ٥٢). تلك الكلماتُ التي فاضتْ بها العذراءُ في زيارتها لأليصابات، ليست مجردَ ابتهاجٍ عابر، بل هي إعلانٌ سماويٌّ عن قلبِ اللهِ لموازينِ الأرض، ونُصرةِ الضعفاءِ المسحوقين على الجبابرةِ المتجبرين.
يبلغ المطران جورج خضر ذروة التعبير عن هذا عندما يقول: التواضع ليس ضعفًا، بل هو ثمرة معرفة الإنسان لحقيقته أمام الله.
وإنَّ التكبرَ، يا للأسف لَخُلُقٌ مُهلِكٌ يدفعُ صاحبَه إلى التعالي، واحتقارِ بني جنسِه وصدِّ الأذنِ عن الحقيقة. هو داءٌ نفسيٌّ يحجبُ الرؤيا، ويمنعُ النموَّ، ويسلبُ القلوبَ، ويُوقعُ المرءَ في عزلةٍ قاتمةٍ ومذلةٍ موجعةٍ.
أليسَ الملاكُ الساقطُ قد تهاوى من عليائِه بسببِ كبريائِه؟ إذ انتفخَ غروراً لجمالِه وحكمتِه، وسعى إلى مضاهاةِ الخالقِ، فقادَ تمرداً في السماء، ما أدى إلى طردِه مع أعوانِه ليصيروا أرواحاً خبيثة، كما نطقَ سفرُ إشعياء (١٤: ١٢-١٥).
ممقوتٌ هو التكبر، فهو يمحو صاحبَه من ذاكرةِ الناس، ويجعله نكرةً لدى بارئِه. وفي هذا المقام، يذهبُ المطران جورج خضر إلى أنَّ الكبرياءَ والغرورَ أشدُّ الآفاتِ إفساداً للجوهرِ الإنساني، فهما يبعدانِ الإنسانَ عن ربِّه، وعن عمقِ حقيقتِه. فالعظمةُ في منهجه ليست بالمالِ ولا القوةِ ولا الجاه، بل "الإنسانُ كبيرٌ بالله". والمتكبرُ، إذ يُصرُّ على رؤيةِ العظمةِ في بهارجِ الدنيا الزائلة، يغفلُ عن أنَّ تعالِيَه هذا ليس إلا مقدمةً لسقوطِه، يُصغِّرُه في عيونِ الناسِ قبل أن يُصغِّرَه في ميزانِ السماء، فيؤولُ أمرُه إلى الهوانِ والذلةِ.
ومع ذلك، يظلُّ بابُ النجاةِ مشرعاً أمامَه، إن هو واجهَ ذاتَه وجالدَ هواها. فالتوبةُ، والاعترافُ بالزلاتِ، هما المنهاجُ الوحيدُ لاكتسابِ التواضعِ الذي يفتحُ الطريقَ للنعمةِ فتدخلُ القلوبَ. لكن السؤالَ الجوهريَّ يبقى عالقاً في الفضاء: هل يملكُ المتكبرُ تلك الجرأةَ النادرةَ على الاعترافِ بمرضِه، أم سيظلُّ واقفاً على قدميِ الغرورِ حتى تتهاوى به الهاوية؟
والسلام.
يقيني راسخٌ أنَّ المذنبَ يملك جرأةَ الإقرارِ بزلّته، مهما تعاظمتْ في عينيه، إلا المتكبّرَ، فهذا قد حكمتْ عليه النصوصُ المقدسةُ بأشدِّ العبارات، وعدّته خطيئةً قلبيةً تغلقُ دونه أبوابَ السماء، وتقذفُ به في وادي الهلاك. فاللهُ، كما أخبرتنا الكتبُ، يُقاومُ المستكبرين ويُبغضُ العجرفة، ويجعلُ التواضعَ مفتاحَ طريقِ البِرِّ وسراجَ الهدى.
نرتدُّ دوماً إلى الإنجيل المجيد، حيث يصدحُ نشيدُ مريم في إنجيل لوقا: "حَطَّ المقتدرينَ عن الكراسي، ورفَعَ المتواضعين، أشبعَ الجياعَ خيراً والأغنياءَ أرسلهم فارغين" (لوقا ١: ٥٢). تلك الكلماتُ التي فاضتْ بها العذراءُ في زيارتها لأليصابات، ليست مجردَ ابتهاجٍ عابر، بل هي إعلانٌ سماويٌّ عن قلبِ اللهِ لموازينِ الأرض، ونُصرةِ الضعفاءِ المسحوقين على الجبابرةِ المتجبرين.
يبلغ المطران جورج خضر ذروة التعبير عن هذا عندما يقول: التواضع ليس ضعفًا، بل هو ثمرة معرفة الإنسان لحقيقته أمام الله.
وإنَّ التكبرَ، يا للأسف لَخُلُقٌ مُهلِكٌ يدفعُ صاحبَه إلى التعالي، واحتقارِ بني جنسِه وصدِّ الأذنِ عن الحقيقة. هو داءٌ نفسيٌّ يحجبُ الرؤيا، ويمنعُ النموَّ، ويسلبُ القلوبَ، ويُوقعُ المرءَ في عزلةٍ قاتمةٍ ومذلةٍ موجعةٍ.
أليسَ الملاكُ الساقطُ قد تهاوى من عليائِه بسببِ كبريائِه؟ إذ انتفخَ غروراً لجمالِه وحكمتِه، وسعى إلى مضاهاةِ الخالقِ، فقادَ تمرداً في السماء، ما أدى إلى طردِه مع أعوانِه ليصيروا أرواحاً خبيثة، كما نطقَ سفرُ إشعياء (١٤: ١٢-١٥).
ممقوتٌ هو التكبر، فهو يمحو صاحبَه من ذاكرةِ الناس، ويجعله نكرةً لدى بارئِه. وفي هذا المقام، يذهبُ المطران جورج خضر إلى أنَّ الكبرياءَ والغرورَ أشدُّ الآفاتِ إفساداً للجوهرِ الإنساني، فهما يبعدانِ الإنسانَ عن ربِّه، وعن عمقِ حقيقتِه. فالعظمةُ في منهجه ليست بالمالِ ولا القوةِ ولا الجاه، بل "الإنسانُ كبيرٌ بالله". والمتكبرُ، إذ يُصرُّ على رؤيةِ العظمةِ في بهارجِ الدنيا الزائلة، يغفلُ عن أنَّ تعالِيَه هذا ليس إلا مقدمةً لسقوطِه، يُصغِّرُه في عيونِ الناسِ قبل أن يُصغِّرَه في ميزانِ السماء، فيؤولُ أمرُه إلى الهوانِ والذلةِ.
ومع ذلك، يظلُّ بابُ النجاةِ مشرعاً أمامَه، إن هو واجهَ ذاتَه وجالدَ هواها. فالتوبةُ، والاعترافُ بالزلاتِ، هما المنهاجُ الوحيدُ لاكتسابِ التواضعِ الذي يفتحُ الطريقَ للنعمةِ فتدخلُ القلوبَ. لكن السؤالَ الجوهريَّ يبقى عالقاً في الفضاء: هل يملكُ المتكبرُ تلك الجرأةَ النادرةَ على الاعترافِ بمرضِه، أم سيظلُّ واقفاً على قدميِ الغرورِ حتى تتهاوى به الهاوية؟
والسلام.