خارطة طريق الرئيس "المسيحي الوحيد"... مشروع وطن
23 Jul 202606:04 AM
خارطة طريق الرئيس "المسيحي الوحيد"... مشروع وطن
نداء الوطن

عمر حرفوش

نداء الوطن
في خطابه خلال العشاء الذي أقامته سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض في واشنطن، بعد لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يقدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون مجرد موقف سياسي أو خطاب دبلوماسي، بل وضع أمام اللبنانيين ما يشبه “خارطة طريق” متكاملة للخروج من واحدة من أعقد أزمات لبنان: بناء الدولة، وإنهاء واقع السلاح خارجها، من دون كسر أحد، ومن دون إذلال أحد، ومن دون إدخال البلاد في حرب أهلية جديدة.

ما يلفت في هذا الطرح أنه لا يقوم على لغة المنتصر والمهزوم، ولا على منطق الثأر أو تصفية الحسابات، بل على فهم عميق لطبيعة المجتمع اللبناني،ولتعقيدات قضية استمرت أكثر من أربعين عاماً. وهذا الفهم ليس نظرياً، بل هو ابن تجربة طويلة لرجل أمضى معظم حياته في المؤسسة العسكرية، المؤسسة الوطنية الوحيدة التي بقيت بعيدة من الاصطفافات الطائفية والسياسية، وحافظت على هويتها الجامعة.

يمكن اختصار هذه الرؤية بخمس محطات واضحة:

أولاً: إزالة الذريعة قبل إزالة السلاح

الرئيس لم يتحدث عن نزع السلاح كشعار، بل قال إن البداية تكون بإزالة الأسباب التي استُخدمت طوال العقود الماضية لتبرير وجود هذا السلاح، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من الأراضي اللبنانية. إنها مقاربة واقعية تعالج جذور المشكلة، لا أعراضها فقط.

ثانياً: احتكار الدولة وحدها للقوة الشرعية

بعد إزالة الذرائع، تنتقل المسؤولية كاملة إلى الدولة، عبر تمكين الجيش اللبناني ليصبح الجهة الوحيدة التي تحمي الحدود وتدافع عن السيادة وتملك قرار الحرب والسلم. فلا يمكن بناء دولة إذا بقي القرار الأمني موزعاً بين أكثر من جهة.

ثالثاً: إعادة الإعمار بوصفها مشروع دولة لا مشروع تنظيم

لعلّ هذه كانت من أكثر الأفكار جرأة في الخطاب. فالرئيس لم يطرح مواجهة «حزب الله» عسكرياً، بل دعا إلى منافسته حيث يجب أن تنافس الدولة: في خدمة الناس. إعادة إعمار الجنوب والمناطق المتضررة يجب أن تكون مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، لأن المواطن يجب أن يشعر أن دولته هي التي تقف إلى جانبه، لا أي جهة أخرى مهما كان دورها.

رابعاً: الاقتصاد هو الضمان الحقيقي للاستقرار

لا يكفي أن يُطلب من الناس تسليم السلاح إذا لم يكن هناك مستقبل بديل. لذلك ربط الرئيس إعادة الإدماج بفرص عمل، واستثمارات، ونمو اقتصادي، لأن الإنسان الذي يمتلك أملاً بمستقبل أفضل لا يحتاج إلى السلاح ليحمي حياته أو يؤمّن لقمة عيشه.

خامساً: دولة قوية تحمي الجميع بلا استثناء

الرسالة الأساسية في الخطاب كانت أن قوة الدولة ليست موجهة ضد أي مكوّن لبناني، بل هي الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، وأن البديل عن الدولة ليس الحرية، بل الفوضى، والفراغ الذي سرعان ما تملؤه قوى الأمر الواقع.

ما أعطى هذا الخطاب بعداً إنسانياً، وليس سياسياً فقط، هو حديث الرئيس عن ضحايا الحرب. لم يتحدث عن أرقام وإحصاءات، بل عن آباء وأمهات، وأبناء وبنات، وعائلات دفعت أثماناً باهظة. هذه اللغة الإنسانية قلّما سمعها اللبنانيون في نقاشاتهم السياسية، لأنها تضع كرامة الإنسان فوق الاصطفافات.

كذلك، كان لافتاً حديثه عن هويته المسيحية، قائلاً : «أنا الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي»، ليس بمنطق التفوق أو الامتياز، بل باعتبارها جزءاً من هوية لبنان الفريدة. فلبنان هو النموذج الوحيد في المنطقة الذي يقوم على الشراكة بين مكوناته، وتبقى المسيحية المشرقية ركناً أساسياً من هذا النموذج، تماماً كما يبقى التنوع الإسلامي ركناً مكملاً له، إلى جانب الدروز، والحفاظ على هذا التنوع هو حفاظ على لبنان نفسه.

منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، يلاحظ اللبنانيون أن جوزاف عون يتجنب لغة التصادم، ويفضل بناء التوافقات على صناعة الخصومات. قد يختلف البعض مع بعض خياراته، لكن يصعب إنكار أنه يقدّم للمرة الأولى منذ سنوات رؤية متكاملة للدولة، لا مشروعاً لفئة، ولا برنامجاً لحزب، ولا أجندة لمحور.

في زمن الانقسامات، يحتاج لبنان إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، يطمئن ولا يستفز، ويبني المستقبل بدلاً من استعادة معارك الماضي. وهذه هي الرسالة التي حملها الرئيس من واشنطن.

إن دعم هذه الرؤية لا يعني تأييد شخص أو عهد بقدر ما يعني الوقوف خلف مشروع الدولة. فهو مشروع لا يحمل حقداً على أي فئة من اللبنانيين، ولا يسعى إلى إلغاء أي مكوّن، ولا يفتح الباب أمام حرب أهلية أو إثارة الغرائز الطائفية، بل يرسم طريقاً هادئاً نحو استعادة الدولة لدورها، وحماية جميع اللبنانيين بالتساوي.

إذا نجح لبنان في السير بهذه الخارطة، فلعل الأجيال المقبلة تتذكر هذه المرحلة لا باعتبارها امتداداً للحروب والانقسامات، بل كبداية فعلية لقيام الدولة التي حلم بها اللبنانيون جميعاً.