على مدى ثلاثة أيام، تحوّلت بلدة الباروك إلى مساحة للسينما والفن والحوار، مع انطلاق الدورة الأولى من مهرجان الباروك السينمائي – Barouk Film Festival، الذي جمع صنّاع الأفلام والمخرجين والممثلين والشباب والجمهور في قلب طبيعة الشوف.
المهرجان الذي أُقيم على مدى أيام 7 و8 و9 آب، لم يقتصر على عرض مجموعة من الأفلام اللبنانية والقصيرة والطلابية، بل سعى إلى خلق مساحة حقيقية للتفاعل بين الجمهور وأهل الاختصاص، من خلال لقاءات ونقاشات رافقت أيامه الثلاثة، وأعطت الحاضرين فرصة للذهاب أبعد من الشاشة إلى التجارب والأفكار التي تقف خلف العمل السينمائي.
اليوم الأول… لقاء مع المخرج شادي حنا
انطلقت فعاليات اليوم الأول وسط أجواء فنية وثقافية وحضور رسمي واجتماعي وفني، معلنةً بداية تجربة سينمائية جديدة من قلب الشوف والجبل.
وتخلل اليوم الأول لقاء مع المخرج شادي حنا، شكّل مساحة للتفاعل المباشر بينه وبين الجمهور، وللحديث عن السينما وتجربة صناعة الأفلام وما يرافقها من تحديات وتجارب.
وجاء اللقاء ليعكس أحد الأهداف الأساسية للمهرجان: ألا تكون العلاقة بين الجمهور وصنّاع السينما محصورة بمشاهدة الفيلم، بل أن تتحول إلى حوار مباشر يتيح تبادل الخبرات والأفكار ويفتح المجال أمام الشباب للتعرف عن قرب إلى عالم السينما.
كما شهد اليوم الأول عروضاً سينمائية ومشاركة الجمهور في التصويت للأعمال، حيث حصد فيلم "لوحتي" 419 صوتاً في تصويت الجمهور.
اليوم الثاني… الثقافة والسينما في حوار مفتوح
واصل المهرجان فعالياته في اليوم الثاني ببرنامج من العروض ضمن فئتي أفضل فيلم لبناني وأفضل فيلم قصير، مقدماً مجموعة من التجارب السينمائية المختلفة أمام الجمهور.
وتخلل اليوم لقاء مع ممثل وزير الثقافة الدكتور علي صمد، تناول أهمية السينما والفعاليات الثقافية ودورها في المناطق، وفتح المجال أمام حوار مع الجمهور حول الثقافة والفن وأهمية دعم المبادرات التي تساهم في تعزيز الحركة الثقافية خارج العاصمة.
وشكّل اللقاء تأكيداً على الرسالة التي حملها المهرجان منذ انطلاقته، وهي أن الثقافة ليست حكراً على مدينة أو منطقة، وأن الجبل والشوف قادران على احتضان فعاليات سينمائية وثقافية تجمع الفنانين والشباب والجمهور.
وتواصل البرنامج مع مجموعة من العروض السينمائية والنقاشات، في يوم جمع بين مشاهدة الأعمال والحوار حول السينما ودورها الثقافي والاجتماعي.
اليوم الثالث… عندما تتحول التجربة الشخصية إلى فيلم
حمل اليوم الثالث والأخير مساحة خاصة للأفلام الطلابية والمواهب السينمائية الصاعدة، تأكيداً على أهمية إعطاء الجيل الجديد من صنّاع الأفلام فرصة لعرض أعماله ومناقشتها أمام الجمهور.
وكانت إحدى أبرز محطات اليوم اختيار فيلم One Moment للمخرج Abdallah Azzam ليكون محوراً للنقاش مع الجمهور.
واكتسب اختيار الفيلم للنقاش أهمية خاصة، كونه عملاً نابعاً من تجربة شخصية عاشها المخرج وحوّلها إلى مادة سينمائية، ما فتح المجال أمام نقاش حول قدرة السينما على نقل التجارب الإنسانية والشخصية وتحويلها إلى قصص وصور قادرة على الوصول إلى الآخرين.
ومن خلال هذا النقاش، اقترب الجمهور أكثر من القصة التي تقف خلف العمل، ومن المسار الذي يحوّل تجربة فردية إلى فيلم يحمل مشاعر وأفكاراً يمكن أن يتفاعل معها جمهور أوسع.
واختُتم اليوم الثالث، ومعه الدورة الأولى للمهرجان، بحفل توزيع الجوائز وتكريم الأعمال الفائزة بعد ثلاثة أيام من العروض واللقاءات والنقاشات.
أكثر من شاشة… مساحة للحوار
وتميّز Barouk Film Festival بأن برنامجه لم يقف عند حدود عرض الأفلام، بل رافق كل يوم لقاء أو نقاش حمل زاوية مختلفة.
من تجربة المخرج وصناعة السينما مع شادي حنا في اليوم الأول، إلى البعد الثقافي ودور المبادرات الفنية مع الدكتور علي صمد في اليوم الثاني، وصولاً إلى التجربة الشخصية وتحويلها إلى عمل سينمائي مع فيلم One Moment للمخرج Abdallah Azzam في اليوم الثالث.
وبذلك، تحولت الشاشة من مساحة للمشاهدة فقط إلى نقطة انطلاق للحوار بين المخرج والفنان والجمهور.
حين تلتقي السينما بالطبيعة
ومن أبرز عناصر هوية المهرجان اختياره الجمع بين السينما والطبيعة، مستفيداً من الخصوصية الطبيعية والثقافية التي تتمتع بها الباروك ومنطقة الشوف.
فالطبيعة لم تكن مجرد خلفية للمهرجان، بل جزءاً من التجربة وهويتها، في محاولة لتقديم السينما خارج إطارها التقليدي وخلق علاقة مختلفة بين الصورة والمكان والجمهور.
وفي بلدة ارتبط اسمها بالشاعر رشيد نخلة، كاتب كلمات النشيد الوطني اللبناني، عادت الحكاية لتأخذ شكلاً جديداً؛ فبعد الكلمة، جاءت الصورة، وبعد القصيدة، جاءت الشاشة.
ومن قلب منطقة الجبل، حمل المهرجان أيضاً رسالة حول أهمية اللامركزية الثقافية، وإمكانية إقامة فعاليات فنية نوعية خارج المدن وإعطاء المناطق اللبنانية دوراً أكبر في المشهد الثقافي والسينمائي.
ثلاثة أيام انتهت… والحكاية بدأت
مع إسدال الستارة على الدورة الأولى، يطمح مهرجان الباروك السينمائي إلى تحويل هذه التجربة إلى موعد سنوي يجمع السينما بالطبيعة، ويمنح المخرجين والفنانين والطلاب مساحة لعرض أعمالهم والتفاعل مع الجمهور.
ثلاثة أيام جمعت العرض بالحوار، والمخرج بالجمهور، والتجربة الشخصية بالصورة، والسينما بطبيعة الباروك.
وانتهت الدورة الأولى، لكن الرسالة التي أراد المهرجان إطلاقها من قلب الشوف لا تزال في بدايتها:
للجبل حكايات تستحق أن تُروى… ومن الباروك، أصبح لهذه الحكايات شاشة.