سعد شعنين
لم يعد الضغط الأميركي على إيران محصوراً بالعقوبات الاقتصادية أو بالحصار البحري أو بالتهديدات العسكرية. ما يجري اليوم يتجاوز هذه الأدوات نحو بناء منظومة حصار متكاملة، تمتد من المياه الإقليمية والممرات البحرية إلى الحدود البرية وشبكات التجارة والتمويل، وصولاً إلى ملاحقة مصادر التكنولوجيا والإمدادات التي تسمح لطهران بإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية. إنها مرحلة جديدة عنوانها «البوابة الحديدية»، التي تعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر شمولاً وتعقيداً.
إعلان القيادة المركزية الأميركية إنشاء قوة المهام «البوابة الحديدية» (Task Force Iron Gate)، في السابع من تشرين الثاني، يشكّل مؤشراً واضحاً إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فالمهمة الجديدة لا تقتصر على مراقبة حركة السفن أو تطبيق الحصار البحري، بل تستهدف أيضاً طرق التجارة البرية وبحر قزوين، بالتنسيق بين مؤسسات عسكرية ومدنية أميركية، تشمل وزارات الخزانة والخارجية والعدل وأجهزة الاستخبارات. والهدف المعلن هو منع انتقال الأسلحة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج والمواد الخاضعة للعقوبات، وتجفيف مصادر التمويل التي يمكن أن تستخدمها إيران لإعادة ترميم قدراتها العسكرية.
بمعنى آخر، لم تعد واشنطن تكتفي بمنع إيران من تصدير نفطها، بل تسعى إلى تطويق قدرتها على الاستيراد والتصدير والتحرك المالي واللوجستي. وإذا كان الحصار البحري قد وضع صادرات النفط الإيرانية تحت ضغط كبير، فإن توسيعه باتجاه الطرق البرية وبحر قزوين يعني محاولة إغلاق منافذ بديلة كانت طهران تعتمد عليها للالتفاف على العقوبات، ولا سيما عبر علاقاتها التجارية مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة المواجهة العسكرية التي بدأت في شباط الماضي، وعن استمرار الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي. فواشنطن لا تتعامل مع الملف باعتباره خلافاً تقنياً حول تخصيب اليورانيوم فحسب، بل باعتباره منظومة متكاملة من القدرات العسكرية والاقتصادية والتحالفات الإقليمية التي تريد الحد من تأثيرها.
في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للقبول بشروط أميركية من دون أثمان مقابلة. فهي تربط إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء المواجهة برفع العقوبات، وتحرير أصولها المجمدة، وإنهاء الحصار البحري، وتقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كما تحاول الاستفادة من علاقاتها مع موسكو وبكين ومن دور الوساطة القطرية والباكستانية لتوسيع هامش المناورة السياسية.
هنا تكمن العقدة الأساسية. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن تغييراً ملموساً في سلوك إيران وقدراتها الاستراتيجية، فيما تريد طهران اتفاقاً ينهي الحصار ويعيد إليها القدرة على الحركة الاقتصادية والسياسية من دون تقديم تنازلات تعتبرها مساساً بأمن النظام وموقعه الإقليمي.
وبين هذين الموقفين، تبدو الوساطات الدبلوماسية عاجزة حتى الآن عن إنتاج تسوية متماسكة. صحيح أن الاتصالات لم تتوقف، وأن قطر وباكستان تحاولان إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة، لكن استمرار الضربات والتهديدات المتبادلة وتوسيع أدوات الحصار يجعل الوصول إلى اتفاق سريع أمراً بالغ الصعوبة.
والأخطر أن المواجهة لم تعد محصورة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فمضيق هرمز، وأمن الخليج، وأسواق الطاقة، وخطوط الملاحة الدولية، كلها أصبحت جزءاً من معادلة الصراع. وأي تصعيد إضافي قد يفتح جبهات جديدة، أو يضع دول المنطقة أمام خيارات أمنية واقتصادية لا تملك جميعها القدرة على تحمل نتائجها.
أما لبنان، فلا يمكنه التعامل مع هذه التطورات باعتبارها أحداثاً بعيدة عنه. فكلما اتسعت المواجهة بين واشنطن وطهران، ازدادت احتمالات انعكاسها على الساحة اللبنانية، سواء من خلال ملف حزب الله أو مستقبل السلاح أو موقع لبنان في أي تسوية إقليمية مقبلة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بمستقبل شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة وبالعلاقة بين الأمن الإقليمي والسيادة الوطنية للدول.
إن «البوابة الحديدية» ليست مجرد اسم لقوة مهام أميركية جديدة، بل تعبير عن انتقال الضغط على إيران من سياسة العقوبات التقليدية إلى محاولة تطويق شرايينها الاقتصادية والعسكرية واللوجستية. وفي المقابل، لا تزال طهران تملك أوراقاً قادرة على تعطيل الملاحة ورفع كلفة المواجهة على خصومها.
لذلك، فإن الرهان على حل قريب يبدو سابقاً لأوانه. فالمنطقة أمام مرحلة طويلة من الضغط المتبادل، تتداخل فيها الدبلوماسية مع القوة العسكرية والحصار الاقتصادي. وقد لا يكون الخيار المقبل حرباً شاملة بالضرورة، لكنه لن يكون سلاماً مستقراً أيضاً. إنها مرحلة استنزاف مفتوحة، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه قبل الجلوس إلى طاولة التسوية، فيما تبقى دول المنطقة وشعوبها تدفع ثمن صراع لم تتضح بعد نهاياته.