هل يتحرر القضاء من سلطة الأمر الواقع؟
29 Sep 202606:23 AM
هل يتحرر القضاء من سلطة الأمر الواقع؟


سامر زريق - نداء الوطن

بعد سنوات طويلة من تمييع قضية "أحداث عبرا" والشيخ أحمد الأسير في دهاليز قضائية بلبوس وصاية سياسية فظّة، أغرقت المحاكمات في تفاصيل تقنية طيّرت جوهر القضية، تنعقد محكمة التمييز العسكرية اليوم في جلسة تبدو مختلفة شكلا ومضمونًا عن سابقاتها، وفق الوقائع والمؤشرات السياسية والقضائية المستجدة. 

الجدير ذكره أن هذه المحكمة يرأسها قاضٍ مدني، هو مارون أبو جودة، يعاونه ثلاثة عمداء من الجيش، فيما تمثل النيابة العامة التمييزية القاضية سمرندا نصار. واللافت أن آخر جلسة في القضية تعود إلى عام 2020، من دون أن تترك أثرًا يذكر في مسارها القانوني، كما سابقاتها. في المقابل، يبدو فريق الدفاع، ولا سيما المحامي محمد صبلوح الذي حمل القضية منذ سنوات، مستعدًا لخوض مواجهة قانونية منظمة، عبر استخدام ما يمكن وصفه بأدوات القوة الناعمة لإحداث توازن ظل مفقودًا في المحاكمات السابقة. 

وحسب المعلومات، سيحضر الجلسة فريق مؤلف من نحو 20 محاميًا يحملون وكالات عن الأسير، لتقديم ما لديهم من أدلة ووثائق، وهو الأمر الذي تمنعت المحكمة العسكرية عن الأخذ به لأسباب لا تخفى على أحد. بينها قرص مدمج يتضمن تحقيقًا استقصائيًا أعدّه صبلوح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، يوثق رواية مختلفة لـ"أحداث عبرا". كما سيقدم الدفاع صورًا ووثائق، وعناوين منصات ومواقع نشرت وقائع حول سير العمليات ومشاركة طرف ثالث فيها، أي "حزب الله" وسراياه، وصولا إلى القول بتفرده بقيادة المعركة.

وإلى الأدلة، يعتزم الدفاع طلب محاكمة علنية، بما يتيح للرأي العام الاطلاع على مجريات القضية ويحد وفق رؤيته من قدرة الضغط السياسي على التأثير في مسارها. وتشير المعلومات إلى أن وسائل إعلام محلية وإقليمية تقدمت بطلبات لحضور الجلسة، بينها "الجزيرة" و"العربية".

المواجهة الأهم ستكون مع تقديم فريق الدفاع طلب إخلاء سبيل الأسير، بعدما تجاوزت مدة توقيفه 15 عامًا. ويرى الدفاع أن استمرار توقيفه طوال هذه المدة، من دون حسم قضائي نهائي، يشكل حالة استثنائية تتعارض مع ضمانات العدالة، وشرعة حقوق الإنسان، والدستور والقوانين اللبنانية. ويستند أيضًا إلى سابقة إخلاء مدعي عام التمييز الأسبق غسان عويدات سبيل موقوفين في قضية انفجار مرفأ بيروت، مع إبقائهم تحت تصرف المجلس العدلي ومنعهم من السفر.

أما الأدلة التي سيضعها الدفاع أمام محكمة التمييز، فتتضمن شهادات موثقة عن مجموعات "حزب الله" وسراياه، تتحدث عن احتلال شقق وإحراقها، والسيطرة على مسجد بلال بن رباح، والتدخل في مسرح العمليات والأدلة، إضافة إلى شهادات عن تعذيب موقوفين، والتنكيل بجثث القتلى، وتقارير طب شرعي تتحدث عن إطلاق النار على بعض القتلى من مسافة قريبة، فضلا عن طلب تقارير الطب الشرعي "المحجوبة" حول كيفية استشهاد عناصر الجيش.

ومن أبرز الشهادات التي يعتزم الدفاع تقديمها توثيقًا لحديث أدلى به النائب السابق أحمد فتفت حول ما نقله إليه قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي، بأن القوات المسلحة لم تستخدم أي قذيفة في معركة عبرا. وبالتالي فإن مصدر القذائف هو طرف ثالث أدار دفة المعركة كما يبغي لحسابات بعيدة من منطق الدولة.

وفي حال رفض طلب إخلاء السبيل، يتجه الدفاع، وفق المعلومات، إلى طلب استدعاء شخصيات للإدلاء بإفاداتها، في مقدّمها العماد جان قهوجي، والعميدان شامل روكز وعلي شحرور، والنواب السابقون خالد الضاهر وبهية الحريري وأحمد فتفت، وآخرون.

بهذا المعنى، تمسي جلسة اليوم بمثابة اختبار لمحكمة التمييز نفسها: هل تستطيع أن تعيد فتح القضية بعيدًا من المسار الذي حكمها لسنوات، والدعاية السياسية المضللة التي فرضت قسرًا؟ أم يبقى أحمد الأسير معتقلا سياسيًا في مواجهة قضاء أسير بدوره لسلطة الأمر الواقع؟

يفهم من الاستراتيجية التي يعتمدها الدفاع أنه يتوجه إلى التصعيد المتدرج من خلال الوسائل القانونية، وفتح الملف أمام الإعلام والرأي العام، متكئًا على شارع سنّي أظهر تعبئة لافتة، كانت التظاهرة الحاشدة في ساحة النور بطرابلس الأحد الماضي مؤشرًا عليها لا يحتمل اللبس.