النفايات تحاصر طرابلس... أزمة تتدحرج نحو الانفجار
01 Oct 202606:43 AM
النفايات تحاصر طرابلس... أزمة تتدحرج نحو الانفجار
نداء الوطن

مايز عبيد

نداء الوطن
تعود أزمة النفايات في طرابلس إلى الواجهة من بوابة مطمر المدينة الذي يقترب من بلوغ قدرته الاستيعابية القصوى، في وقت يُطرح فيه مجددًا نقل جزء من نفايات طرابلس إلى مطمر سرار في عكار، كحل سريع لتفادي أزمة متوقعة في حال توقف المطمر الحالي عن استقبال النفايات.

لكن خلف هذا المشهد، تبرز أسئلة أساسية حول أسباب وصول طرابلس إلى هذه المرحلة، وما إذا كانت المدينة تفتقر فعلا إلى الحلول، أم أن مشاريع معالجة نفاياتها تعطلت لأسباب سياسية ومالية وإدارية.

الخبير الدولي في البيئة والمياه والرئيس السابق للجنة البيئة في بلدية طرابلس د. جلال حلواني يرى في حديث لـ"نداء الوطن" أن ما وصلت إليه طرابلس اليوم هو نتيجة غياب رؤية متكاملة لإدارة النفايات، بعدما بقيت المدينة لسنوات أسيرة منطق "المطمر الموقت"، بدلا من الانتقال إلى منظومة متكاملة تقوم على الفرز والتدوير والمعالجة والطمر المحدود.

ويشير حلواني إلى أن اتحاد بلديات الفيحاء يعاني منذ أكثر من سبع سنوات أزمة مالية مزمنة، ما حدّ من قدرته على الاستثمار في بنية تحتية جدية لمعالجة النفايات، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن أي مشروع كبير في هذا القطاع يحتاج إلى قرار سياسي واضح وتوافق بين الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار والبلديات، وهو ما لم يكن مستقرًا خلال السنوات الماضية في ظل الأزمات السياسية والمالية والفراغات المتكررة.

مشروع جاهز تعطل

وبحسب حلواني، لم تكن طرابلس تفتقر إلى الحلول، إذ كان هناك عام 2018 مشروع متكامل لمعالجة نفايات المدينة، مع تمويل جاهز من القطاع الخاص، وقد جرى بحثه على مستويات محلية ومع رئيس الحكومة، وكان يُفترض أن يبدأ تنفيذه، إلا أنه تعطل لأسباب متعددة ولم يرَ النور.

ويشرح أن المشروع كان يمكن أن يعالج مشكلة إدارة النفايات في طرابلس لمدة لا تقل عن 30 عامًا، من خلال إنشاء معمل فرز حديث ومتطور، تُفرز فيه النفايات وفق أنواعها، العضوية وغير العضوية، من بلاستيك ومعادن وورق وغيرها، على أن تتم معالجة كل نوع والاستفادة منه، فيما لا يُطمر سوى الجزء المتبقي الذي لا يمكن الاستفادة منه، وبحدود 20 في المئة من إجمالي النفايات.

إلا أن المشروع، الذي كان قد وصل إلى مراحل التخطيط النهائية، دخل في مسار التعطيل بعد تغيير رئاسة البلدية عام 2019، وفق حلواني، إذ أوقفت البلدية واتحاد البلديات السير فيه وقررا التريث لمزيد من الدراسة، قبل أن تعلن البلدية لاحقًا عدم اقتناعها بالمشروع وتفضيل مشروع آخر.

ومن هنا، يقول حلواني إن المشكلة لم تكن في غياب الحل التقني، فالفرز والتدوير والمعالجة والطمر المحدود نماذج معروفة ومطبقة في دول عدة، وإنما في تأمين التمويل والموقع المناسب لمعمل الفرز والمعالجة والمطمر الصحي للنفايات الخامدة.

من طرابلس إلى سرار

ومع اقتراب المطمر الحالي في طرابلس من قدرته القصوى، برز مطمر سرار في عكار كخيار سريع لتصريف أزمة النفايات.

ويوضح حلواني أن الشركة المسؤولة عن تشغيل المطمر الموقت الحالي كانت قد أعلنت أن المطمر سيبلغ قدرته القصوى في تشرين الأول، وأنه لا يمكن إطالة عمره أو إنشاء خلية جديدة، الأمر الذي دفع باتجاه البحث عن حل سريع.

وفي هذا السياق، اتجهت الأنظار إلى سرار، الذي يعمل منذ سنوات ويستقبل نفايات من عكار وبعض الأقضية الشمالية، باعتباره خيارًا إداريًا أسهل من إنشاء منشأة جديدة في طرابلس، وهي عملية تحتاج، بحسب حلواني، إلى سنة على الأقل.

إلا أن نقل النفايات إلى سرار، وفق مقاربة حلواني، لا يمثل حلا بيئيًا للمشكلة، بل ينقلها من منطقة إلى أخرى، إذ إن النفايات لن تُفرز وتُعالج هناك، وإنما ستُطمر.

ويشير إلى أن أهالي عكار ومسؤولين محليين يرفضون استقبال نحو 350 طنًا إضافيًا يوميًا من نفايات طرابلس، في وقت تتحمل فيه المنطقة منذ سنوات أعباء طمر نفايات عكار وبعض الأقضية المجاورة، مع ما يرافق ذلك من تداعيات بيئية.

ويرى حلواني أن سرار يمكن أن يكون محطة موقتة لتجاوز الأزمة، لكنه "ليس حلا بيئيًا مستدامًا" لنفايات طرابلس، التي تحتاج إلى منظومة معالجة ضمن نطاقها الجغرافي.

الأزمة لم تكن قدرًا

ويعتبر حلواني أن أزمة طرابلس الحالية كان يمكن تفاديها لو تم تنفيذ المشروع الذي كان مطروحًا عام 2018، مشيرًا إلى أن اعتماد معمل للفرز والمعالجة مع طمر نحو 20 في المئة فقط من النفايات الخامدة كان كفيلا بتغيير واقع إدارة النفايات في المدينة.

ويضيف أن استحداث المطمر الحالي الموقت عام 2019 كان يجب أن يترافق منذ البداية مع العمل على حل مستدام، إلا أن الواقع السياسي والمالي والمشاكل التي واجهت بلديات الاتحاد حالت دون الوصول إلى هذا الحل.

"صفر نفايات" تدريجيًا

أما الحل الذي يطرحه حلواني اليوم، فينطلق من بناء نظام متكامل لإدارة النفايات، منخفض الكلفة وقابل للتنفيذ في ظل الظروف المالية الصعبة التي يعيشها لبنان.

ويشدد على ضرورة تفعيل الفرز من المصدر تدريجيًا، بدءًا من المؤسسات الكبرى كالجامعات والمطاعم والأسواق، مع اعتماد نظام حوافز يشجع المؤسسات على الفرز، وشراء المواد المفرزة من قبل معامل إعادة التدوير.

كما يشير إلى مشروع كانت بلدية طرابلس قد أطلقته لتحويل المدينة إلى "مدينة صفر نفايات تدريجيًا"، عبر نظام فرز كامل من المصدر ونظام رسوم يعتمد على كمية النفايات المنتجة، معتبرًا أن هذا النظام أُقر بمرسوم حكومي ولا يحتاج اليوم سوى إلى التنفيذ.

ويشدد كذلك على أهمية إقامة شراكات مع الصناعات المحلية لاستيعاب المواد القابلة لإعادة التدوير، وفصل عملية "الجمع والنقل" عن عملية "المعالجة والطمر"، بما يحد، بحسب رأيه، من تضارب المصالح ويقلل من مخاطر الفساد.

ولضمان الشفافية، يقترح حلواني اعتماد رقابة مستقلة عبر شركة تدقيق بيئي خارجية، مع نشر تقارير دورية كل ثلاثة أشهر، وإنشاء منصة رقمية تعرض كميات النفايات ونسب الفرز وكلفة التشغيل والعقود.

وبين مطمر يقترب من نهايته، ومطمر آخر يُطرح لاستقبال نفايات مدينة بأكملها، يرى حلواني أن المطلوب هو الخروج من إدارة الأزمة بالترحيل والطمر، والانتقال إلى إدارة متكاملة تبدأ من المصدر بالفرز، مرورًا بالمعالجة وإعادة التدوير، وصولا إلى طمر الجزء غير القابل للاستفادة منه.

فبالنسبة إليه، ما تواجهه طرابلس اليوم ليس غيابًا للحلول، بقدر ما هو حصيلة سنوات من القرارات المؤجلة والمشاريع التي لم تصل إلى التنفيذ، فيما يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الحلول المطروحة إلى قرار وتنفيذ ومنظومة مستدامة.