بين شكر إيران وسيادة لبنان… السؤال الذي يهرب منه حزب الله
10 Jun 202608:35 AM
بين شكر إيران وسيادة لبنان… السؤال الذي يهرب منه حزب الله
سعد شعنين

سعد شعنين

 

في بيانه الأخير، يقول حزب الله إن “إيران تساند لبنان وليس العكس”، ويطالب الدولة اللبنانية بشكر طهران بدل انتقادها، معتبراً أن أي موقف رسمي ينتقد الدور الإيراني هو استجابة لـ”إملاءات خارجية”. لكن هذا البيان أغفل حقيقة لا يستطيع أي خطاب سياسي محوها: لبنان هو الذي دفع الثمن الأكبر، فيما كان يخوض حرباً قيل إنها حرب “مساندة” لمحور تقوده إيران.

فمنذ اللحظة التي قرر فيها حزب الله فتح الجبهة، لم يكن القرار صادراً عن مجلس الوزراء ولا عن المؤسسات الدستورية، بل عن تنظيم يملك قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة. وكانت النتيجة واضحة: قرى مدمرة، مئات آلاف النازحين، اقتصاد أكثر انهياراً، استثمارات هاربة، سياحة متضررة، وأراضٍ لبنانية عادت إلى دائرة الاحتلال أو التهديد العسكري. وإذا كانت إيران قد تحملت كلفة سياسية أو مالية، فإن لبنان تحمل كلفة وطنية وإنسانية واقتصادية لا تزال تتفاقم حتى اليوم.
ويتحدث البيان عن الأموال التي أنفقتها إيران، لكنه لا يتحدث عن مليارات الدولارات التي خسرها لبنان، ولا عن العائلات التي فقدت منازلها، ولا عن المؤسسات التي أقفلت أبوابها، ولا عن الشباب الذين ازداد اقتناعهم بأن مستقبلهم خارج الوطن. فهل الأموال التي دفعتها إيران أكبر من الوطن الذي دفعه اللبنانيون؟
والأكثر غرابة أن حزب الله يقدم إيران وكأنها تدافع عن لبنان بدافع إنساني بحت، بينما هو نفسه أعلن مراراً أن معاركه تأتي في إطار مشروع إقليمي ووحدة ساحات. فإذا كانت الحرب مرتبطة بهذا المشروع، فمن الطبيعي أن يسأل اللبنانيون: لماذا كان على لبنان أن يتحمل نتائج صراع لا يملك قرار بدئه ولا حتى قرار إنهائه؟
لقد أصبح من الصعب إقناع اللبنانيين بأن إيران هي التي تتحمل الكلفة، فيما هم يعيشون يومياً نتائج هذه السياسات. فالكلفة ليست فقط صواريخ وأموالاً، بل دولة ضعفت، وسيادة اهتزت، وحدود تحولت إلى ساحة مواجهات، وعاصمة مهددة، واقتصاد يترنح تحت أعباء حرب لم يقررها الشعب اللبناني.
ولعل ما يغفله بيان حزب الله أيضاً أن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون لم يدعُ يوماً إلى القطيعة مع إيران أو إلى تحويلها إلى دولة خصم للبنان، بل أكد في آخر مقابلة له أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما مع سائر الدول، ولكن وفق الأصول الدبلوماسية التي تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وهذا الموقف لا يستهدف إيران ولا أي دولة أخرى، بل يكرّس مبدأ سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني.
ومن هنا، فإن تصوير أي مطالبة باحترام سيادة الدولة اللبنانية على أنها “تنكر لإيران” أو “استجابة لإملاءات خارجية” هو قلب للحقائق. فالعلاقة السليمة بين الدول لا تُبنى على وجود طرف لبناني يتخذ قرارات استراتيجية خارج مؤسسات الدولة، بل على علاقات رسمية بين دولتين تحترم كل منهما سيادة الأخرى. وإذا كانت إيران حريصة بالفعل على لبنان، فإن أفضل تعبير عن هذا الحرص هو احترام حق اللبنانيين وحدهم، عبر مؤسساتهم الدستورية، في تقرير مصيرهم وقرارهم الوطني بعيداً عن أي نفوذ أو وصاية أو استخدام لأرضهم كساحة صراع إقليمي.
ثم إن البيان يهاجم السلطة اللبنانية لأنها اتخذت مواقف لا ترضي طهران، وكأن معيار الوطنية أصبح مدى الانسجام مع السياسة الإيرانية، بينما المعيار الحقيقي لأي سلطة هو الدفاع عن مصلحة لبنان أولاً، لا عن مصالح أي محور خارجي مهما كانت طبيعة العلاقة معه. فالسيادة ليست موقفاً عدائياً تجاه أحد، بل حق طبيعي لأي دولة مستقلة.
البيان يتحدث عن الوفاء الإيراني، لكنه يتجاهل وفاء اللبنانيين لوطنهم، أولئك الذين يريدون دولة واحدة وجيشاً واحداً وقراراً واحداً. ويتجاهل أن أول واجب تجاه لبنان هو عدم تحويله إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية ولا إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
ويبقى السؤال الذي يتهرب منه حزب الله بسيطاً لكنه جوهرياً: إذا كانت إيران تساند لبنان، فمن الذي أدخل لبنان في حرب المساندة؟ ومن الذي جعل اللبنانيين يدفعون من دمائهم واقتصادهم وسيادتهم ثمن خيارات ارتبطت بحسابات إقليمية؟

فالوقائع تقول إن إيران لم تدخل حرباً على أرضها، بينما لبنان هو الذي احترقت أرضه، ودمرت بلداته، ونزح شعبه، وعاد شبح الاحتلال إلى أجزاء من أراضيه. لذلك، قبل مطالبة اللبنانيين بتقديم الشكر، ربما كان الأجدر الاعتراف بأن لبنان هو من دفع الفاتورة الأكبر، ولا يزال يدفعها حتى اليوم، وأن أفضل مساندة له هي احترام سيادته ودولته وحقه وحده في تقرير مصيره.