لا تبحثوا بعيدا انهم بينكم. لا تذهبوا الى الأحياء الشعبية والأزقة لايجادهم، انهم اقرب مما تتصورون. فالمجتمع لم يعد ينقسم بين أغنياء وفقراء وطبقة وسطى، بل تكونت في السنة الأخيرة شريحة جديدة، تطلق عليها تسمية "الفقراء الجدد"، وفق التوصيف الذي استخدمه النائب بيار بو عاصي قبل أيام خلال اطلالته التلفزيونية عبر mtv.
هؤلاء كانوا حتى الأمس القريب، يرتدون "على الموضة" ويقودون سيارة "آخر موديل"، ويسكنون منزلا تكبدوا آلاف الدولارات على ديكوره. وبعدما كانت "مستورة والحمد الله"، ويسددون الاقساط الشهرية، "وماشي الحال"، انقلبت حياتهم رأسا على عقب. هم لم يختاروا ذلك بارادتهم، بل فرضت عليهم الخضات المتلاحقة التبديل "غصباً عنهم".
فبعد الأزمة المالية والاقتصادية المتراكمة، والتي ادت الى اقفال مؤسسات وانهاء خدمات اجراء، ازداد الطين بلّة منذ السابع عشر من تشرين الأول الماضي، وجاء فيروس كورونا ليزيد الجمود جموداً، والخلل عطباً. فدخلنا في ظاهرة النصف راتب، واللا راتب، والاقفال والصرف من الخدمة وانهاء العقود.
فبتنا نسمع كل يوم، عن جار "ترّكوه شغلوا"، او قريب "شالوله من معاشه"، او زوجة كافحت براتبها لتعويض نصف راتب زوجها، قبل ان تنضم واياه بعد شهر الى صفوف العاطلين عن العمل. بالنتيجة، دخلنا مرحلة جديدة حتّمت على الفرد العامل في العائلة، تقسيم المصروف على عائلتين واكثر. نعم، لقد ازدادت الحاجة في البيوت، وان كانت للمحتاجين كرامتهم... فلا يطلبون، لكنهم يئنون.
لقد بات لبنان امام واقع جديد، يحتّم التفكير بمنطق جديد، بأسلوب مختلف عن السابق، بطريقة غير اعتيادية.
فعلى سبيل المثال، اهمل اللبناني الارض طوال سنوات، فراح يأكل مما لا يزرع، ويلبس مما لا ينسج. حتى اضحت ٢٢٪ فقط من ارض لبنان مزروعة بالمحاصيل. كما ان ميزان الاستيراد "طابش" عندنا. اذ نستورد بقيمة ٢٠ مليار دولار سنوياً، بينما لا نصدّر بأكثر من ٣ مليارات.
قبل ايام، خرجت ابرشية البترون المارونية بمبادرة قدّمت بموجبها اراضي الوقف الى اهل الرعية لزرعها واستثمارها في مشاريع منتجة، توزّع عائداتها عليهم. فتزهر الأرض، ويأكل العاملون فيها خبزهم بعرق جبينهم.
هي مبادرة من مبادرات. فالأزمة فتحت الباب على التفكير بالحلول، على الابتكار وبذل الجهد، وعلى تطبيق مقولة "الشغل مش عيب"... فلنتعلم الصيد اذا، بعدما اعتدنا بمعرفة وبغير معرفة في العقدين الأخيرين، على انتظار السمكة.