حسين عاصي
موقع النشرة
هو "التمايز الكتائبي" أيضا وأيضا..
الحديث عنه ليس بجديد، فـ"الصالونات السياسية" حوّلته إلى "شغلها الشاغل" منذ أشهر طويلة، منذ بدأت اعتراضات "الكتائبيين" على "حلفائهم المفترضين" بالظهور إلى العلن من بوابة مقاطعة اجتماعات الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار.
لم ينطفئ هذا "التمايز" بعد، بخلاف ما يمكن أن يعتقده البعض، بل إنه يكاد يكون "الهاجس الأول" لقوى "14 آذار". هو عاد ليظهر بوضوح مؤخرا، على الرغم من "التناغم" الذي يفترض أن يكون انفجار الأشرفية قد أعاده، خصوصا مع اغتيال اللواء وسام الحسن وما أحدثه من تداعيات جعل البعض يتحدث عن إعادة "إحياء" لـ"ثورة الأرز"، التي لا يمكن أن "تكتمل" دون أحد أبرز مكوّناتها، "الكتائب اللبنانية".
نعم لـ"التمايز"...
لا تنكر مصادر "الكتائب" وجود "تمايز" لم يعد خافيا على أحد. اعتراضها قد لا يكون على "المبادئ" التي قامت عليها "14 آذار"، والتي هي أصلا "القيم" التي نشأ عليها حزب "الكتائب" كما تقول على المصادر، ولكن على "الأداء" الذي لا يتناسب في كثير من الأحيان مع هذه "المبادئ". وتذهب المصادر أبعد من ذلك لتقول: "نحن لم نحد يوما عن المبادئ، وكانت هي التي تسيّرنا لا العكس، والحق يقال أنّ الكرة لطالما كانت في ملعب حلفائنا فهم من كانوا يبتعدون ثم يقتربون مجدّدا لا العكس".
وإذا كان أصل "التمايز" هو الاعتراض على طريقة أداء الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار، وإذا كان الخلاف بينها وبين النائب السابق فارس سعيد تحوّل إلى "حرب إعلامية" في العلن برزت خصوصا بين الأخير والنائب سامي الجميّل، فإنّ "التمايز" يتعدّى شخص سعيد ليشمل طريقة تعاطي الفريق الآذاري برمته مع المستجدات السياسية، طريقة تجزم المصادر "الكتائبية" أنها لا ترقى لمستوى المرحلة.
لا تجد هذه المصادر أيّ صعوبة في إعطاء "التبريرات" لـ"تمايز" استنادا على أمثلة حيّة تقول أنها لا يمكن أن تعبّر عنها، وأولها مشهد "اجتياح" السراي الحكومي الشهير خلال مراسم تشييع اللواء الشهيد وسام الحسن، وهو مشهد تعتبر المصادر أنه قضى على كلّ "رمزية" ذلك اليوم المشهود. وتوضح المصادر أنّ هذا المشهد "يتناقض" مع "الشعارات" التي ترفعها هذه القوى، خصوصا لجهة بناء المؤسسات والتمسّك بها والحفاظ عليها. وإذ تستغرب المصادر كيف أنّ بعض القوى "الآذارية" التي "تنصّلت" من المسؤولية عن هذا الهجوم عادت لتدافع بشراسة عن "محرّضين واضحين" عليه، تلفت إلى أنّ "تمايزها" لا يقف هنا عند الشكل بل يصل إلى المضمون، والمقصود بالمضمون هنا هو "المقاطعة الشمولية" التي أعلنتها "14 آذار" والتي شملت كلّ شيء، من الحكومة وصولا إلى المجلس النيابي ورئاسة الجمهورية. وتقول المصادر: "لا شكّ أنّ الحكومة يجب أن ترحل، ولا شك أنّ علينا الضغط على الحكومة بكلّ الوسائل الممكنة، ولا شكّ أن مقاطعتها حق مشروع وديمقراطي وسلمي لنا كمعارضة، ولكن ما لا شكّ فيه أيضا أن لهذه المقاطعة حدودا يجب درسها بتأن، وأولها طاولة الحوار ورئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي لا يستحقّ منا المقاطعة، بعد كل المواقف التي اتخذها مؤخرا".
نعم لـ"النأي بالنفس".. ولكن؟!
كلّ ما سبق يوحي بأنّ "الانعطافة الكتائبية" باتت قاب قوسين أو أدنى وأنّ "نية" النأي بالنفس موجودة وأكثر، "استنتاج" ترفض المصادر "الكتائبية" القفز إليه تلقائيا. توضح هذه المصادر أنّ "حكما" من هذا النوع يبقى سابقا لأوانه، علما أنّ المرحلة الراهنة تتطلب تضافرا للجهود وتعاونا لمواجهة ما يحاك للوطن من مخططات ومؤامرات. هي لا تنفي ولا تؤكد وجود "امتعاض" أقله يمكنه أن يؤدي إلى "شيء ما" في المستقبل القريب، وتكتفي بالقول أنّ القيادة الكتائبية تراقب كافة بيانات وتصريحات "14 آذار" لاتخاذ "الخطوات المناسبة في الوقت المناسب".
لا تعطي المصادر "الكتائبية" المزيد من التوضيحات. طبيعة هذه "الخطوات المناسبة" ومعنى "الوقت المناسب" تبقى في إطار "الغموض البنّاء" بالنسبة لها، على قاعدة أنّ "كل شيء في وقته" و"لكل حادث مقال". تؤكد وجود خلاف بوجهات النظر بين مسيحيي "14 آذار" لكنّها تدعو لعدم تضخيمه في الوقت الراهن، مكتفية بـ"اعتراف" واحد له الكثير من المعاني والدلالات: طريقة التعاطي السياسية في المرحلة الراهنة لا ترقى للمستوى المطلوب، ونقطة على السطر.
"التحولات" بدأت في الميدان!
لكنّ ما ترفض المصادر "الكتائبية" تأكيده وتبدي حذرا في مقاربته تكشفه لـ"النشرة" مصادر سياسية مطلعة على الحراك الدائر على أكثر من صعيد، وتتحدث هذه المصادر عن لقاءات بعيدة عن الاعلام تحصل بين "حزب الله" وحركة "أمل" من جهة و"الكتائب" من جهة أخرى. وتنطلق من هذه اللقاءات لتعلن أنّ "الكتائب" بدأت تعدّ العدّة لتبني سياسة "النأي بالنفس"، التي لطالما أبدت تأييدها المطلق لها بمعزل عن موقف حلفائها، ولكن هذه المرة إزاء هؤلاء. وتلفت إلى أنّ هذا "النأي بالنفس" سيصبح أكثر وضوحا خلال الأشهر القليلة المقبلة، وذلك بسبب التفاوت بوجهات النظر على المستوى الاستراتيجي.
وتكشف المصادر أنّ المحادثات التي تجري بعيدا عن الأضواء يغيب عنها "التيار الوطني الحر" ولذلك "لحسابات على الأرض مسيحيا"، على حدّ تعبيرها، متحدثة في هذا الاطار عن حسابات "انتخابية" تضعها "الكتائب" نصب أعينها في مشاوراتها الحالية، وخصوصا في ما يتعلق بمنطقة المتن. لكنّ المصادر تشدّد على أنّ "حزب الله" وحركة "أمل" يقومان بوضع "التيار الوطني الحر" في أجواء كلّ الأحاديث التي تدور بينهم وبين "الكتائب" أولا بأول.
"خريطة" جديدة تُرسَم..
هي "الخريطة السياسية" تعيد رسم نفسها في الداخل اللبناني. النائب وليد جنبلاط كان "أول الغيث" بسجاله "المعلَن" مع النائب سعد الحريري، الأمر الذي فتح المجال أمام تعزيز "الكتلة الوسطية" بحسب ما يقول المراقبون. أما "الكتائب"، فلها قصة أخرى بين وسطية قد "تستهويها" من جهة، و"خصوم" لا ضير في تحوّلهم إلى "حلفاء"، ولو "آنيين".
في مطلق الأحوال، تبدو "الكتائب" اليوم أكثر من أي وقت مضى بموقع "إعادة النظر"، ليبدو "النأي بالنفس" خيارا أكثر من ممكن، قد يصبح واقعا خلال أسابيع قليلة..