سوريا بعد أحداث درعا ليست محصّنة ضد الاحتجاجات التوقيت العامل الحاسم في الإصلاحات والهامش متاح
النهار

تصدرت سوريا في الايام القليلة الماضية، شأنها شأن ليبيا واليمن، عناوين النشرات الاخبارية العالمية والصفحات الاساسية للصحف العالمية اضافة الى التعليقات في مقاربة للنظام في سوريا والتحديات التي يمكن ان يواجهها على قاعدتين اساسيتين يلتقي على تزكيتهما عدد من المصادر السياسية والديبلوماسية في العاصمة اللبنانية على رغم محاولة اشاعة حلفاء دمشق في بيروت ان سوريا قوية، بمعنى ان النظام فيها مختلف عن سائر الانظمة التي بدت هشة في نهاية الامر، وهو لا يمكن ان يهتز واذا اهتز قليلا فلا يقع. الا ان هذه المصادر ترى ان واقع الامور قد يكون مغايرا لان احدا لم يتوقع ان تسقط الانظمة العربية كما سقطت ولم يتوقع احد ثورة الشعوب العربية من اجل الحرية والديموقراطية والعيش الكريم وهي لا تزال تفاجئ الغرب وتربكه. ومع ان احدا لا يخاطر بالتكهن حول مسار الامور وما يمكن ان تحمله من مفاجآت، الا ان هناك قاعدتين او ثلاثاً للمرحلة الراهنة تسري على سوريا وفق هذه المصادر. القاعدة الاولى هي ان التغييرات التي شهدها العالم العربي في الشهرين الاخيرين بدءا من تونس وصولا الى مصر وليبيا واليمن وحتى بعض الدول الاخرى لا يمكن ان تبقي اي بلد آخر في منأى عما يجري على عكس الانطباع الذي اشاعه الرئيس السوري بشار الاسد في حديثه الاخير الى صحيفة "وول ستريت جورنال" من ان بلده محصن ضد التحركات الشعبية لما اعتبره تقاربا بينه وبين الشعب السوري. اذ ان الاعتقاد السائد لدى الرئيس السوري مع انطلاق التحركات في مصر ان جوهر التحركات سيكون سياسيا قوميا وضد الغرب، وفق ما عبر عنه، في حين ان مطالب العيش الكريم والحرية والكرامة هي مطالب الشعوب التي تتحرك.
القاعدة الثانية تفيد بأنه لا يزال ممكنا امام الرئيس السوري وبهامش كبير نسبياً ان يسحب بساط التحديات التي يطرحها الشعب السوري من تحت أقدامه بعدما بدأ أفرقاء كثر من المعارضين السوريين يحضونه على التحرك. فالرئيس السوري طرح حين وصوله الى سدة الرئاسة السورية جملة عناوين اعتبرت في حينها اقتراحات متقدمة لم يعلق عليها الشعب السوري آمالا بمقدار ما فعل اللبنانيون الذين كانوا يعانون بدورهم من ثقل الوصاية السورية وتبعاتها لكنها شكلت اساسا لما بات يعرف بربيع دمشق، تعويلا اولا على رئيس شاب أنجز دراسته في الخارج وكان على تواصل مع عالم منفتح على الديموقراطية والحرية وهو مهيأ اكثر من سواه لرعاية انتقال سوريا الى عهد من الانفتاح على الديموقراطية والحرية. لكن سرعان ما خابت هذه الآمال مع الكلام عن احاطة الرئيس السوري نفسه بما عرف بالحرس القديم الذي رافق والده. وكانت النتيجة بعد وقت قصير تذكِّر بالسياسة السورية التقليدية. ومع ان الرئيس السوري لم يستفد خلال الاعوام السابقة من ادخال تغييرات جذرية مهمة، فان كلامه عن استبعاد الاصلاح في بلاده في انتظار جيل جديد في حديثه الصحافي الاخير بدا في غير مكانه مع انطلاق التحركات في العالم العربي، بل بدا ان قراءته كانت خاطئة لما يحصل علما انه ليس الوحيد باعتبار ان أحدا لم يستشرف هذا الانهيار السريع لانظمة عربية كانت تعتبر قوية وصلبة قبل وقت قصير. ومع ان لا اوهام لدى احد حيال مدى التماثل بين بعض الانظمة العربية التي انهارت تحت ضغط التحركات الشعبية كما حصل في مصر وتونس، الا ان هذه المصادر تعتقد انه في امكان الرئيس السوري تجنب الوقوع في المنزلقات نفسها التي أدت الى رحيل رؤسائها علما ان هذه المصادر رأت مؤشرات خطيرة في الصدامات التي حصلت في مدينة درعا تمهد في حال توسعها الى الوصول الى وضع خطير قد لا تنفع معه المعالجات الاصلاحية او التنازلات كما حصل مع الرئيس المصري حسني مبارك الذي تأخر في تقديم ما كان يتعين عليه تقديمه في الوقت المناسب وكان أنقذ نظامه ونفسه على الارجح. اذ ان كل هذه الانظمة كان يمكنها ان تعالج الامور من ضمن اطار معين مقبول ولم تستفد من ذلك في حين ان انظمة اخرى سعت الى ملاقاة بعض المطالب على نحو مسبق كما الحال بالنسبة الى الجزائر في موضوع رفع قانون الطوارئ مثلا علما انه لا يعود الى المدة نفسها المفروض فيها هذا القانون في سوريا. وهناك المغرب والاردن والمملكة العربية السعودية التي تحاول استباق أي مطلب بالتحرك لمعالجته وحتى بالنسبة الى البحرين مع طرح الحوار مع المعارضة ايضا. وتاليا فان الانظار باتت تنشدّ الى يوم الجمعة في سوريا كما بات ينتظر يوم الجمعة في غالبية الدول التي تشهد تحركات باعتبار ان التجمعات من اجل الصلاة تقدم مجالا رحبا لتجمعات لا يمكن التصدي لها وذلك  من اجل تبين الخط البياني لتطور الامور في سوريا وفي اي اتجاه.
القاعدة الثالثة تستند الى انه على رغم ما يعتبره كثر مخاوف الدول الغربية من التغيير الذي تشهده دول المنطقة وتاليا رهان البعض على ان هذه لن تشجع على اعطاء الشعوب ما تريد خشية ان تذهب المنطقة الى عدم استقرار مخيف خصوصا ان التركيبة الديموغرافية في سوريا متنوعة وليست كما في بعض الدول الاخرى، فان الدول الغربية ستكون في مأزق حقيقي في حال تغاضت عن دعمها للمطالب الإصلاحية وادانتها للصدامات التي توقع ضحايا مدنية. اذ ان هذه الدول التي فضلت دعم الانظمة التوتاليتارية في المنطقة بذريعة الاستقرار والتصدي للارهاب لا تتحمل ان تتهم بدعم المزيد من هذه الانظمة كما انها لا يمكنها ان تتدخل لحماية الشعب الليبي ولا تتدخل لحماية الشعوب الاخرى، حتى من دون منطقة حظر جوي او سوى ذلك لئلا تتهم ايضا بانها تحركت لمصالح نفطية وليس انسانية. وتاليا فان المجتمع الدولي بدوره تحت المجهر لهذه الجهة أياً تكن الخلافات التي ظهرت في ادارة المعركة مع نظام الرئيس معمر القذافي.