... وماذا عن "أسيريّي" السلاح والمذهبيّة والفساد؟

ربما ليس إمام مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الاسير صنيعة استخبارات غربيّة أو اقليميّة أو عربيّة. أو من فبركة دولة ما كما قيل، وقد وجّه اتهام مباشر لكل من  قطر واميركا بأنهما اشرفتا على بزوغ نجم "الحالة الاسيريّة"، بغية مواجهة استمرار صعود "الشيعيّة السياسيّة" في لبنان وإقامة نوع من التوازن مع حزب الله، التنظيم العسكري المقاوم. كما اتهم محور سوريا - ايران بـ "خلق الاسير" لإحداث شرخ واسع على الساحة السنيّة، وبالتالي ضرب أحاديّة تمثيل تيار المستقبل لهذه الطائفة. لكن الاكيد، في كلّ ما ذكر، أنّ الشيخ الاسير هو نتيجة لعمليّة تراكميّة بدأت منذ اختلال ميزان القوى الداخلي على الساحة اللبنانيّة لصالح منظومة سياسيّة وعسكريّة وعقائديّة متكاملة.

 

 

فالعقل "الاسيري" متجذّر في ذاكرة ووجدان اللبنانيّين، وهم يعيشونه يوميّاً في الخطابات المذهبيّة التحريضيّة التي تكاد تسقط الوطن على رؤوس اهله، وعندها ربما تصحّ مقولة "تبكون كالنساء على وطن لم تحافظوا عليه كالرجال" على قسمٍ واسعٍ من الزعماء والسياسيّين. وفي هذه الحالة لا يمكن لوم الاسير على مواقفه الغرائزيّة بقدر ما يجب تحميل المسؤوليّة لمن ساهم، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بنشوء تيّاره السياسي - العقائدي على مستوى صيدا ولبنان كلّه عموماً. ولتوضيح الصورة أكثر، ما كان للاسير إلا أن يجد موطىء قدم في مدينته وأن يصوّر كبطل للطائفة السنيّة لو لم يوجد سلاح غير شرعي بيد طائفة اخرى، تدّعي أنه لمقاومة العدو الاسرائيلي بينما تدلّ الوقائع على انه يستخدم، في بعض الأحيان، في بازار الحسابات السياسيّة الداخليّة الضيّقة. ولم يكن خطابه المذهبي ليدخل الى أذان مؤيّديه لو أنّ حزب الله امتنع عن استفزاز مشاعر اللبنانيّين في أحداث 7 أيّار، ولو أنّه وحلفاء سوريا كفّوا عن التنكيل بصيغة "الشراكة الوطنيّة" من خلال اسقاط حكومة الممثل الاول للسنّة في لبنان الرئيس سعد الحريري، ومحاربة الكتلة الوسطيّة في مجلسَي النواب والوزراء، وعدم توفير فرصة لإيهام الفريق الآخر في المعادلة الوطنيّة، أي قوى 14 آذار أنّهم خارج السلطة وسيظلّون كذلك.

 

وكي نقول الحقيقة، بتجرّد وموضوعيّة، فإنّ الشيخ احمد الاسير يستخدم خطاباً طائفيّاً في بلد الطوائف وعلى مرأى من "شعوب لبنانيّة" متشرّبة منطق الطائفة والعشيرة والعصبيّة. فهو إذاً نقطة في بحر هائج على وقع ارتفاع امواج النزعات الدينيّة الضيّقة. وبدأت السلفيّة التي يمثّلها في السياسة اللبنانيّة تنتشر في رحاب العالم العربي وهي، كما في لبنان، انعكاس لسياسة البطش والتهميش والاقصاء لفريق وازن في لبنان.

نعم، الأسير متهم بإثارة النعرات في توقيت دقيق وحسّاس محليّاً واقليميّاً، ولكن ماذا عن "اسيريّي" السلاح غير الشرعي، والمذهبيّة المغلقة، والفساد المستشري في بعض شرايين الدولة، والنزعة الفرديّة لدى بعض الاقطاب السياسيّين، فهؤلاء يجدر محاكمتهم جنباً الى جنب الاسير لأنّ آثامهم بحق الوطن يحاكم عليها قضائيّاً ومن ثم شعبيّاً ووطنيّا.