كتبت صحيفة اللواء": تجاهل مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني عبر إطلالته التلفزيونية الأخيرة الأسباب الحقيقية لخلافه مع «تيار المستقبل»، وحاول تظهير بعض التباينات التي استتبعت نشوب هذا الخلاف، لا سيما موقفه المؤيد للرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الحالية خلافاً لرغبة التيار، أو سياسة دار الفتوى الصامتة عن ارتكابات النظام السوري ضد شعبه وتزامن استقبال المفتي للسفير السوري في لبنان مع ارتكاب لمجزرة حماة في شهر رمضان قبل عامين تقريباً، أو لقائه مع وفد من «حزب الله» في دار الفتوى ساعة صدور القرار الاتهامي لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكأنها الأسباب الحقيقية لهذا الخلاف الحاصل، خلافاً للواقع والحقيقة بالرغم أنها فاقمت في هذا الخلاف الذي نشب أساساً حول ثلاث مسائل، مسألة ملف الاختلاس المالي لأموال دار الفتوى والمتهم به نجل المفتي مع أحد الشركاء المتوارين خارج البلاد، ومسألة التمديد الذي يطالب به المفتي لولايته التي تنتهي بعد عام تقريباً، ومسألة الاصلاحات بدار الفتوى عموماً لمنع تكرار ما يحصل من تجاوزات ومخالفات.
حاول المفتي انتهاج سياسة الهجوم ضد خصومه السياسيين من بوابة الإعلان عن تحديد موعد ثابت لإجراء انتخابات المجلس الشرعي الاسلامي، متجاوزاً كل الدعوات والتفاهمات السابقة للتمديد للمجلس الحالي لفترة إضافية تجنباً لحدوث مزيد من الانقسامات في الصف الإسلامي ولإبقاء هذا الموقع الاسلامي المهم بعيداً عن الخلافات والتجاذبات الحاصلة، ولإثبات قدرته على التحكم بموعد هذا الاستحقاق وسعياً منه لحشر خصومه غير المستعدين لمثل هذه الانتخابات في الوقت الحاضر كما يعتقد، وفي نيته تأمين فوز مجلس شرعي جديد يكون له أكثرية مؤيدة بداخله خلافاً للمجلس الحالي.
وفي اعتقال المفتي قباني أن اعتماد سياسة الهجوم على خصومه في هذه المرحلة من بوابة انتخابات المجلس الشرعي مغلفة بمواقفه السياسية من الأوضاع المحلية والسورية وبوجود حكومة الرئيس ميقاتي أفضل من انتهاج سياسة الدفاع عن النفس وانتظار تلقي الانتقادات التي باتت تضغط عليه بأكثر من اتجاه، لأنها في نظره تعطيه أرجحية للظهور بمظهر القوي تجاه خصومه على الأقل، وقد تفيده في ترسيخ موقعه ومنع تأثيرات الانتقادات السلبية عليه ولو مؤقتاً وتمكنه من التحكم بزمام الأمور وتجميد تحريك ملفات الاصلاحات الضرورية لمؤسسة دار الفتوى في هذه المرحلة في حال استطاع إيصال العدد المطلوب من الأعضاء الجدد في المجلس الشرعي لتكوين أكثرية موالية له.
ولذلك، لوحظ بوضوح محاولة المفتي تقديم خلافه مع «تيار المستقبل» على أنه خلاف سياسي على مجمل الأمور المطروحة وليس خلافاً على مسائل تنظيمية وفضائحية داخل مؤسسة دار الفتوى ككل، للتغطية على هذه المسائل والتقليل من أثرها وتفاعلاتها السلبية على ممارسات المفتي شخصياً وإبعاد الأنظار والانتقادات عنها قدر المستطاع وإبقائها خارج إطار المساءلة المعهودة.
ومن هذه الزاوية سعى المفتي لتسليط الضوء على مواقفه السياسية وكيفية استهدافه لأنه يحاول انتهاج سياسة مغايرة لتوجه ونهج «تيارالمستقبل» في العديد من المسائل والأوضاع، معدداً منها دعمه لتولي الرئيس ميقاتي لرئاسة الحكومة، ومواقفه تجاه الأزمة السورية وعلاقته مع حلفاء سوريا و«حزب الله» في الداخل، لأنه كما قال ليس موظفاً عند أحد ليملي عليه انتهاج سياسة معينة، في حين يعلم القاصي والداني أن الخلاف الناشب بين المفتي والتيار لم يكن متزامناً مع حدوث هذه الوقائع، بل سبقها بوقت طويل. أما اللافت في العبارات التي قالها المفتي للدفاع عن موقفه من النظام السوري، قوله «أنه لم يزر الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق كما فعل الرئيس سعد الحريري» لتؤخذ عليه مآخذ تأييده أو صمته عن ارتكابات النظام السوري أو استقباله للسفير السوري في لبنان، في حين يلاحظ بوضوح أن نفس العبارة التي رددها المفتي بهذا الخصوص قالها الرئيس نجيب ميقاتي مرات عديدة ومن بينها لقاؤه مع وفد من الشباب البيروتي قبل نحو شهرين تقريباً، وهو ما يؤشر بوضوح إلى تنسيق ظاهري بين الطرفين لترديد مثل هذه العبارة لتبرير التعاطي الصامت مع النظام السوري والدفاع عن مواقفهما تجاهه، بينما يلاحظ أن الرئءيس ميقاتي الذي لم يزر دمشق ظاهرياً على الأقل يكتفي منذ توليه رئاسة الحكومة بأمر من الأسد شخصياً كما أعلن ذلك من خلال وسائل الإعلام وباحتفال رسمي وعالمكشوف، بايفاد شقيقه طه أكثر من مرّة شهرياً وأحياناً ابن شقيقه عزمي للتنسيق مع الأسد شخصياً بشهادة العارفين والمطلعين على هذا الأمر عن قرب، بينما استعاض المفتي عن الذهاب إلى دمشق مباشرة بتعيين موظف بارز في دار الفتوى معروف بصلاته القوية مع أجهزة النظام السوري ويتولى التنسيق معهم في الأمور المطروحة.
فتكرار الاستعانة بزيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق ولقائه بالرئيس الأسد من قبل الرئيس ميقاتي والمفتي قباني في الوقت نفسه ومحاولة استغلالها للدفاع عن موقفيهما من النظام ولتبرير الصمت المطبق تجاه ما يحصل هناك، تدل بوضوح على مستوى التنسيق في ما بينهما بالنسبة للمسائل المطروحة في ما يتعلق بدار الفتوى على الأقل ومنها مسألة انتخابات المجلس الشرعي تحديداً وسعيهما من خلال ذلك لتشويه سمعة وضرب شعبية زعيم «تيار المستقبل» تحديداً في المرحلة التي تسبق اجراء الانتخابات النيابية.
اما لماذا طرح وتحديد موعد انتخابات المجلس الاسلامي الشرعي بالرغم من كل محاولات تأجيلها لتجنب المزيد من الخلافات داخل الصف الاسلامي؟ لان المفتي قباني الذي مهّد لهذه الخطوة بإجراء دفعة تعيينات موالية له في اروقة دار الفتوى وادخل أئمة جدد على لوائح الشطب ورش البعض بمراكز وجدد خمس سنوات لمفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو ليكون داعماً له والى جانبه، يطمح لتغيير المجلس الحالي وتأمين الظروف لمجيء اكثرية موالية له في المجلس الجديد، ليتمكن من الاستمرار في الامساك بكل مفاصل دار الفتوى بمعزل عن اي مساءلة ا واعتراض، ولتبقى ملفات الفضائح المالية مجمدة حتى اشعار آخر وبالطبع يراوده حلم التمديد لفترة جديدة او مدى العمر كما يطمح لذلك، ويختلف مع اقرب المقربين منه بخصوصه. ولكن بالطبع مسألة انتخاب المجلس الشرعي الجديد سياسية بامتياز كما اتضح من بعض الوقائع السالفة، وهناك من يدفع بتجاه حصول مزيد من الاصطفافات داخل الطائفة الواحدة لتعميق الخلافات، في حين ان تحقيق الطموحات يصطدم بالواقع وتوزيع القوى قد يأتي بنتائج معاكسة للتوقعات في كثير من الاحيان.