داني حداد
Lebanon Files
إنّه صباح الأحد. الجوّ مشمس مع اعتدال في الحرارة. لم يثنِ خبر سقوط صاروخين على الشيّاح العائلة الكسروانيّة عن تلبية دعوة عائلة صديقة لزيارة إحدى بلدات عاليه. عائلة مارونيّة تزور عائلة شيعيّة. حدثٌ جميل في صباح هذا الوطن الذي ينام على قنص ويصحو على صاروخ. إلا أنّ المشوار، الذي بدأ هادئاً، حفل بتطوّرات لم تكن في الحسبان... على الطريقة اللبنانيّة.
"بدا المشهد أشبه بساحة حرب". هكذا يروي أفراد العائلة الذين صادفوا، في طريقهم الى البلدة التي يقصدونها، تشييعاً لأحد عناصر حزب الله الذين سقطوا في مدينة القصير السوريّة. "كان عدد المسلحين بالعشرات، صغاراً وشباباً ورجالاً. أعلام سوداء وأخرى صفراء. إطلاق نار استمرّ وقتاً طويلاً، بين المنازل وعلى مرأى من الجيش اللبناني الذي انتشرت قوّة منه "للفرجة" في المكان".
ويضيف أحد أفراد العائلة البعيدة عن الأجواء السياسيّة والأمنيّة: "لم نكتشف إلا حين وصلنا الى منزل العائلة الصديقة بأنّ سبب هذا التجمّع وإطلاق النار الكثيف والانتشار المسلّح هو تشييع أحد ضحايا المعارك في سوريا. لقد أصيب الأولاد برعبٍ شديد ولم يتجرأوا على الخروج لاحقاً من المنزل للعب، خصوصاً أنّ أصوات طلقات الرصاص ظلّت تتردّد من حينٍ الى آخر".
قبل يومٍ واحد من هذا المشهد، مشهدٌ آخر لا يختلف كثيراً. استيقظ أهالي المناطق المحيطة بحيّ الزعيتريّة في بلدة الفنار المتنيّة على أصوات إطلاق نار كثيف قبل أن يكتشفوا أنّ السبب وفاة أحد سكّان هذا الحيّ في معارك القصير. استمرّ إطلاق النار الكثيف وقتاً طويلاً قبل أن يتمدّد الى مناطق أخرى اخترقها موكب التشييع أمام أعين المارّة والقوى الأمنيّة التي باتت تملك، كما يبدو، خبرة في تكتيف اليدين ومراقبة انتشار السلاح وإطلاق النار!
ليس بعيداً كثيراً عن هذين المشهدين ومشاهد أخرى مماثلة، تستمرّ منذ أكثر من أسبوع أعمال القصف والقنص بين باب التبانة وجبل محسن، والتي تشمل أيضاً أحياء كثيرة من عاصمة الشمال. ينتشر السلاح بكثافة لافتة، كمّاً وحجماً، في تلك المناطق، وسط غياب الدولة عن مكافحته وعن ضبط طرق تسليمه الى هؤلاء المسلحين الذين لا يملك أغناهم ثمن بندقيّة.
يُقتل الجيش في طرابلس برصاص الزعران، من هذا الفريق أو ذاك، بينما الطبقة السياسيّة عاجزة الى درجة التآمر في بعض الأحيان. وبينما رئيس الحكومة، ابن المدينة، يتواصل مع "قادة المحاور"، وهو تعبير جديد لتوصيف الزعران "الذين يدافعون عن كرامة المدينة"، وفق الوصف "العجيب" للواء أشرف ريفي الذي نستغرب أن يصدر عن قائد جهاز أمني سابق.
من مشهد طرابلس الى مشاهد التشييع وغيرها في مناطق لبنانيّة عدّة الى المشاهد "الأسيريّة" في صيدا، تغيب هيبة الدولة وتبلغ مرحلة لا سابق لها من الانحطاط. وإذا كانت الطبقة السياسيّة عاجزة عن الاتفاق على قانون انتخاب وعلى تشكيل حكومة، فلتسلّم هذا الأمر الى "قادة المحاور". لعلّ الأمر لا يزعج نجيب ميقاتي أبداً...
�K� ���8 �7 �نيّ عن القول إنّ هذه الأخيرة تجد ما ينمّيها في الكتاب والمدرسة والفرق الكشفيّة والطقوس والأزياء.
أمّا في ما خصّ التثمير السياسيّ والمجتمعيّ لذاك الانتصار العسكريّ المفترض فنحن نراه الآن على شكل اقتراب غير مسبوق من الحرب الأهليّة المفتوحة، فكأنّنا حرّرنا لكي نتحاقد ونتقاتل. صحيح أنّ الإجماعات الوطنيّة اللبنانيّة لم تكن ذات مرّة قويّة، إلاّ أنّها لم تكن قليلة وضعيفة على الشكل الذي صارته بعد التحرير وبسبب التحرير الذي انتهى تعزيزاً لطرف أهليّ على سائر الأطراف.
هل هكذا تكون نتائج التحرير؟ هل هذا الحدث، بالنتائج التي آل إليها، يسمّى تحريراً؟
... مع التقدير للآلام والتضحيات والدماء التي بُذلت، فإنّ ما انتهى إليه يوم 25 أيّار 2000 يدفع الى البحث عن تسمية أخرى له!