صلاح سالم
اللواء
من حق الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، أن ترفض الحجج الواهية، والمبررات المتداعية، التي روج لها زعماء الكتل السياسية، لتبرير توافقهم المفاجىء على التمديد لمجلس النواب سنة وخمسة اشهر ضاربين عرض الحائط كل المحاذير الدستورية من جهة، وغير مبالين بتحذيرات عواصم القرار الدولي، بضرورة احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية، وخاصة الانتخابات النيابية!
وجاء رفض أكثرية اللبنانيين للتمديد، تأكيداً لنبذ الناس لحالة الانقسام البشعة، المهيمنة على الوضع السياسي، بين فريقي 14 و8 آذار، والتي أدت إلى تعطيل الحياة السياسية في البلد، وإلى هذا الخلل في دور الدولة ومهماتها الشرعية، فضلاً عن تسعير أجواء الشحن والتعبئة الطائفية والمذهبية في طول البلاد وعرضها.
ويعتبر كثير من اللبنانيين، ان التمديد للمجلس النيابي انما هو تمديد غير مباشر للأزمة السياسية المتفاقمة التي يتخبط فيها البلد، منذ ظهور الفريقين الآذاريين على المسرح السياسي، وبروز سلاح حزب الله كأداة لحسم الصراعات السياسية الداخلية، على نحو ما حصل في 7 أيار 2008، وتظاهرة القمصان السود عشية إجراء الاستشارات النيابية، للضغط من أجل عدم عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي!
* * *
لا ندري مدى فائدة النقاش الدستوري الذي فتحه الطعن المقدم من الرئيس ميشال سليمان إلى المجلس الدستوري لإبطال التمديد.
وبانتظار معرفة لون الدخان الذي سيخرج نتيجة مداولات قضاة أعلى سلطة دستورية في البلاد، تكشف التفاعلات السياسية التي أثارها هذا التوافق، والذي يعتبره البعض، بمثابة «تواطؤ» بين الأطراف السياسية، التي حسمت ملف التمديد، مدى تردي العمل السياسي، وحالة انعدام الوزن التي يعيشها لبنان، بعدما عجزت الطبقة السياسية الحالية عن تحصين الجبهة الداخلية، أمام الرياح الاقليمية الساخنة، وفي ظل حالة التفلت، وتراجع هيبة الدولة، التي شجعت أطرافاً حزبية على الذهاب بعيداً في التورط في الحرب الدولية الطاحنة الدائرة حالياً على الأراضي السورية.
والطريف ان كل الأطراف السياسية المؤيدة للتمديد، اتخذت من شعار الاستقرار ستاراً للإختباء خلفه، رغم إدراكها المسبق أن تأجيل الانتخابات لن يُخمد النار المشتعلة في طرابلس بين التبانة، وجبل محسن، ولن يخفف من اندفاعة اللهب السوري نحو الداخل اللبناني، بعدما أصبح سقوط الصواريخ على قرى بعلبك والهرمل بمثابة خبر يومي في نشرات الأخبار!
من حق اللبنانيين أن يسألوا أطراف صفقة التمديد:
{{ لماذا لا ينسحب «التوافق على التمديد» توافقاً وطنياً شاملاً لانهاء مسلسل التبانة وجبل محسن، واقفال جرح طرابلس، بنفس القدرة التي جمعت الاضداد حول التمديد؟
{{ هل تكفل قوى 8 و14 آذار بأن يؤدي التمديد لمجلس النواب إلى عودة الالفة بين عرسال وجاراتها، وإلى استتباب الأمن والأمان في ربوع البقاع الشمالي والشرقي؟
{{ ومن قال ان الاستقرار يفرض تجنب الفراغ في السلطة التشريعية فقط؟.. أليس الفراغ الحكومي الحاصل منذ أكثر من شهرين يقضم من فعالية السلطة التنفيذية، ويضرب هيبة الدولة وقدرة مؤسساتها العسكرية والأمنية؟
{{ ماذا ينفع التمديد لمجلس النواب وتأجيل الانتخابات، في حال دبت الفوضى بسبب الغياب الحكومي المتمادي، وتفلت الأطراف الحزبية من أدنى التزامات الأمن الوطني للبلاد والعباد؟
* * *
وحبل التساؤلات طويل ومُعقد، ويحمل أكثر من علامة استفهام لقادة 14 و8 آذار على السواء. لعل أبرزها، بل هو أخطرها:
لماذا تتم التوافقات دائماً حسب أجندة 8 آذار، وتتحمل قوى 14 آذار وزر دفع فواتير مثل هذه التوافقات؟
هذا ما حصل أمس، غداة انتهاء انتخابات 2009، حيث أيد فريق 14 آذار عودة الرئيس نبيه بري إلى الرئاسة الثانية، دون أن يضمن انسحاب هذا «التوافق الظرفي» على تشكيل حكومة الحريري.
وهذا ما يحصل اليوم، حيث قدمت قوى 14 آذار التمديد للمجلس ورئيسه على طبق التوافق، دون أن تحصل على أي التزام من فريق 8 آذار على تسهيل مهمة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة العتيدة!
بل سمعنا أطرافا من قوى 8 آذار تعلن بالفم «المليان» ان التمديد لمجلس النواب لا علاقة له بتشكيل الحكومة وذهب بعضهم ابعد من ذلك حين اعتبر ان تاليف الحكومة أصبح أصعب بكثير عما كان عليه قبله!؟
ولعل هذا الكلام صحيح. فلماذا يضطر فريق 8 آذار لتقديم التنازلات ويسهل مهمة الرئيس المكلف الذي خرج ترشيحه من بيت الوسط، بعدما حصل على ولاية السلطة الاشتراعية 17 شهراً جديداً؟
التمديد لمجلس النواب خلع قواعد الهيكل الدستوري، وشرّع الأبواب أمام تمديدات مقبلة .. لا تخطر على بال أو خاطر، إلا العالمون ببواطن الأمور!!