الاخبار
مع انتهاء أعمال المجلس الدستوري، يبدأ البحث بالملف الحكومي. وأمام قوى 8 آذار أكثر من تحدٍّ، أولها ترتيب العلاقة مع تكتل التغيير والإصلاح بعد ما حصل في ملف التمديد للمجلس النيابي
بعدما أقرّ المجلس النيابي التمديد وتقدم التيار الوطني الحر بالطعن لدى المجلس الدستوري، جمع الرئيس نبيه بري أركان قيادة حركة «أمل» ونواب كتلة التنمية والتحرير والمقربين منه، ليحدد ثوابت مرحلة ما بعد التمديد وتوجهاتها. أول هذه التوجهات عدم الرد، لا من قريب أو بعيد، على أي هجوم أو نقد يصدر عن التيار الوطني الحر قيادةً ووزراء ونواباً في حق بري واستهداف دوره، سواء في التمديد أو في مسؤوليته عن غياب العضوين الشيعيين في المجلس الدستوري.
لم يردّ بري ولا المقربون منه على ما عدّوه حملة من دون وجه حق قادها التيار ضد حلفائه. وعدم الرد لا ينفي أنّ ثمة أزمة علاقة باتت موجودة منذ التمديد وحتى اليوم، عززها توقف الاتصالات لإعادة وصل ما انقطع ومراجعة التطورات التي حصلت ووضع تصور مشترك للمرحلة المقبلة.
ثمة مسلّمة أساسية ينطلق منها فريق بري، هي التمسك بالعلاقة مع عون «موقعاً وموقفاً». وهذا يعني أن قوى 8 آذار لا تتعاطى مع المشكلة القائمة على أنها مشكلة بنيوية واستراتيجية، بل مشكلة آنية، لكن خصوصيتها والظروف الحالية التي يواجهها الطرفان ويعيشها لبنان تقتضي العمل على حلها والمراجعة الدقيقة لظروف ما جرى وحيثياته لمواجهة المرحلة المقبلة على أسس واضحة وصريحة. وانطلاقة الحل تفرض الاعتراف بأن على الحلفاء أن يراعوا ظروف بعضهم الداخلية والإقليمية، وإلا فكيف يكون معيار الحلف والتنسيق؟ ولا يبدو أن عون قام بذلك.
كانت حركة أمل وحزب الله أكثر الأطراف ثقة بأن وضعهما داخل الطائفة الشيعية انتخابياً لن يتغير، وأن رئاسة المجلس النيابي ستؤول إلى بري حكماً لمدة أربعة أعوام، وفي أقصى الأحوال كانت النتائج العامة ستُبقي على موازين القوى الحالية، بفضل وقوف النائب وليد جنبلاط إلى جانب هذا الفريق. وهذا يؤدي حكماً إلى القول إنه لم يكن لدى الطرفين مشكلة حسابات خسارة وربح لعدم إجراء الانتخابات. إلا أن التوافق على التمديد للمجلس جرى لاعتبارات أخرى، منها سياسية إقليمية ومحلية، ومنها ما له بالحسابات الانتخابية لدى حلفاء عون. في الاجتماعات التنسيقية التي حصلت قبل عملية التمديد، أبلغ جميع الأطراف الأساسيين في قوى 8 آذار عون أن ليس في مقدورهم إجراء الانتخابات في هذا الوقت الضيّق، لا الأمور اللوجستية متوافرة ولا الأموال ولا حتى القدرة على تجييش الشارع داخلياً أو حتى استنفار المغتربين لاستقدامهم إلى لبنان. أبلغ الطاشناق أنه لن يقدر على حشد أكثر من خمسة إلى عشرة في المئة من قوته التي جيّرها لعون عام 2009، بسبب ضيق الوقت للقيام بالحركة المطلوبة في الخارج تحديداً لحشد الأصوات الأرمنية. الخطاب ذاته كرره المردة، الذي شكك بإمكان النجاح في حشد مناصريه في المغتربات في خلال أسابيع قليلة.
ولأن الدور الأرمني أساسي في المتن وبيروت الأولى والثانية، وكذلك الأمر دور المردة في الكورة والبترون، والصوت الشيعي مرجح في بعبدا وجزين وجبيل ــــ من دون إغفال الصوت الشيعي في كسروان ــــ والأطراف الثلاثة يفضلون تأجيل الانتخابات، رجحت كفة المعترضين داخل قوى 8 آذار على إجراء الانتخابات في موعدها بعد الفشل في الاتفاق على قانون الانتخاب. وأُضيف إلى هؤلاء الجو العام للقوميين والبعثيين والشخصيات السنية في 8 آذار الذين وقفوا أيضاً إلى جانب رفض الانتخابات.
تبعاً لذلك، بقي عون وحيداً متمسكاً بإجراء الانتخابات، بسبب حسابات انتخابية أكدت له أن لديه فرصة للفوز في الأقضية المسيحية، ومنها البترون. لكن المشكلة أن حلفاءه الذين يمكن أن يساعدوه في هذا الفوز غير متحمسين للمعركة. تبلغ عون في أحد الاجتماعات التنسيقية من حزب الله طلباً صريحاً بضرورة تفهم ظروف الحزب في عدم إجراء الانتخابات، وكان عرض الحزب مفصلاً وواضحاً ومطولاً. لكن عون أصرّ على الرفض، وهذا ما بدا مستغرباً بالنسبة إلى أوساط مطلعة في قوى 8 آذار، لأن عون لم يراعِ للمرة الأولى خصوصية حلفائه وطلبهم تحديداً إرجاء الانتخابات في هذا الظرف.
اليوم انتهى مفعول التمديد قانونياً، ولكن هل انتهت المشكلة سياسياً؟
الواضح أن مفاعيل ما حصل بين عون وحلفائه لا تزال ترخي بظلها على علاقة مكونات هذا الفريق الذي أصرّ عون أخيراً على التمييز بينه كتكتل تغيير وإصلاح وبين قوى 8 آذار. وقد يكون كلام الوزير جبران باسيل لمرات عدة على العلاقة مع الحزب تحديداً، قد أسهم في تزكية العلاقة الملتبسة، والحديث عن توسيع مروحة اتصالات عون مع السعودية. مع العلم أنّ لدى فريق بري تفهماً حيال توسع الاتصالات السياسية مع جميع الأطراف، ولا تأخذ ذلك مطلقاً من باب التحدي، بل من باب حاجة الجميع إلى التواصل مع كافة الأفرقاء محليين وإقليميين.
والمشكلة اليوم لا تبدو بين بري وعون؛ إذ لاعتبارات عدة بقيت هذه العلاقة دوماً بين مد وجزر. لكن لأول مرة يكون الحزب على تماس مع مواقف عون الداخلية، من دون أن يعني ذلك مطلقاً المسّ بالعلاقة الاستراتيجية. وهذا الأمر أكده أكثر من مرة عون وباسيل. إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة تنقية الخلافات قبل استئناف الاجتماعات المشتركة والاتصالات من أجل الاستعداد للمرحلة الجديدة، وفيها بداية ملف تشكيل الحكومة. وهذه القوى لا يمكن في أي حال أن لا تكون صفاً واحداً في إدارة شروط التفاوض بشأن الحصص وهوية الحكومة وشكلها، متخطية التوترات التي أملتها عملية التمديد للمجلس النيابي.
في هذا الشق، لا تزال قوى 8 آذار متمسكة بتسريع تشكيل الحكومة على قاعدة أن الأوضاع الأمنية الحالية تفرض وجود حكومة في أقصى سرعة وعدم ترك الجيش وحيداً من دون غطاء سياسي. وهي متمسكة بالرئيس تمام سلام، وهذا الموقف الذي عبّر عنه بري وحزب الله ثابت وأكيد، وبحسب مصادر مشاركة في الاتصالات، فإن هذه القوى ستعمل من أجل تشكيل الحكومة في أسرع وقت، لأن وحدها حكومة قوية ومتماسكة قادرة على مواكبة التطورات، ولا سيما في هذه الظروف الأمنية التي يمرّ بها البلد. فأي حكومة محايدة أو غير سياسية يمكن أن تسهم في إطفاء النار الحالية، ومن مصلحة رئيس الجمهورية أن تواكبه حكومة قادرة في الأشهر الباقية من ولايته، حتى لا ينهيها في ظل وضع متردٍّ وفوضى سياسية وأمنية. ومع انتهاء أعمال المجلس الدستوري يفترض أن تنشط مجدداً الاتصالات في الشأن الحكومي، مع العلم أن لا صيغ محددة على بساط البحث، والانطلاقة الجديدة تنتظر ترتيبات من نوع آخر.
هيام القصيفي