اخطاء الديموغرافيا الشائعة

قدر احد التقارير الاعلامية عدد اللبنانيين المسيحيين "المقيمين" في لبنان ب 1,199,511 من اصل 3,453,480 لبنانياً من مختلف الطوائف ونسبت هذا الرقم الى احد مراكز الدراسات والاحصاءات ! وما على المرء الا التدقيق في معلوماته ليكتشف ان ثمة اوهام او اخطاء شائعة عن الديموغرافيا اللبنانية.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا بد من التذكير بالرقم الذي قدمته هيئات الامم المتحدة المعنية بأغاثة النازحين من الجنوب والضاحية خلال عدوان تموز 2006. وتبين الارقام ان اعداد اللبنانيين الشيعة بلغت حوالى 925 الفاً ونيف، ما يعني ان الكتلة المتبقية من الديموغرافيا اللبنانية هي لمنتمين الى الطوائف السنية والدرزية والعلوية وغيرها.

هذا الكلام بالارقام التي تحتمل هامش الخطأ والصواب، لا بد منه عند الحديث عن الديموغرافيا اللبنانية، لأن ثمة من ينفخ في منطق الاكثرية والاقلية لاثارة مشاعر الخوف والخشية والرهاب لدى مكونات التنوع اللبناني، في استمرار لسياسة "فرق تسد" العثمانية والتي تسببت في خراب لبنان واقتتال ابنائه وهجرتهم جميعاً دون استثناء، بدليل ان 90 الف اميركي يقيمون في لبنان غالبيتهم الساحقة من اللبنانيين الشيعة والسنة وليس المسيحيين، وبدليل اخر يتمثل في الاف الجنوبيين الذين اقاموا في الولايات المتحدة الاميركية وحولوا احياء بكاملها في ميتشيغان وديترويت الى بنت جبيل ثانية في المهجر، وهذا ما يصح ايضاً على اللبنانيين السنة الآتين من طرابلس والشمال والموزعين على اوستراليا وانحاء العالم العربي.

اذا ليس صحيحاً ان الهجرة تطال المسيحيين فقط، بل تشمل الجميع دون استثناء.

مسألة ثانية تتمثل في اللاتوازن الديموغرافي بين الطوائف والذي يتناسى العاملون في السياسة في غالب الاحيان (باستثناء النائب نعمة الله ابي نصر) ان مرسوم التجنيس انما يتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا الخلل بين الطوائف. وللتذكير فقط، فإن عدد الذين تم تجنيسهم ومنحهم الهوية اللبنانية لا يزال مجهولاً حتى الساعة، وان الرقم الاقرب الى التداول يشير الى تجنيس ما بين 450 الى 500 الفاً من طالبي الجنسية اي ما يعادل حوالى 15 في المئة من عدد سكان لبنان.

جريمة التجنيس التي ارتكبت في حق لبنان عموماً وفي حق العيش المشترك والتوازن الوطني لا تعادلها جريمة اخرى ارتكبت في حق لبنان. ومن استحق الجنسية معروف اصلاً وفصلاً وهم ابناء القرى السبع في الجنوب وابناء منطقة وادي خالد في الشمال، فمن اين اتى مئات الالاف من المجنسين الاخرين ؟

السؤال مبهم وغامض ولا جواب لدى اي من الاجهزة الامنية او القضائية، والجواب لدى نظام البعث في سوريا وجهاز استخباراته ونظام الوصاية الذي عمل بكل قواه على ضرب التوازن الطائفي من خلال تجنيس الالاف من غير مستحقيها ومن بينهم عشرات الالاف من السوريين.

يعرف الخبراء وكل عامل شريف في الشأن العام ان المبدأ الذي اعتمد في التجنيس يخالف كل عقل ومنطق وعلم حسابي واخلاق وطنية. فالدول لا تمنح جنسيتها عشوائياً ومن نالوا الجنسية بهذه الطريقة ودون اي رابط يجمعهم بلبنان هم من تسببوا في الخلل في التوازن وهم انفسهم يتم احتسابهم في الميزان بين الطوائف لكي يقال للمسيحيين اللبنانيين: "اسكتوا انتم اصبحتم اقلية 30 في المئة فقط وانتم في حاجة الى الحماية وان تكونوا اهل ذمة".

اوهام شائعة تفعل فعلها في تهميش المسيحيين، الذين يجب ان يعلموا ان لا حياة لهم في لبنان والشرق خارج منطق المواطنة والعيش المشترك وليس بأعتماد نموذج "تحالف الاقليات"، اما اصرار بعض المسيحيين الانعزاليين على تهميش ذواتهم والعيش اهل ذمة دون رادع اخلاقي او عبرة لا من التاريخ ولا من الجغرافيا ولا من الماضي ولا من الحاضر فلن يؤدي سوى الى الهلاك.