داني حداد
تسبق مواقع التواصل الاجتماعي قيادة الجيش في نعي ضبّاطها وعسكريّيها. آخر من نعتهم هذه المواقع النقيب داني خيرالله الذي سقط شهيداً مساء أمس على أرض المعركة في عرسال. شهيدٌ آخر يبكيه عارفوه. بطلٌ آخر يرحل ضحيّة حرب قذرة يواجه فيها عسكريّو الجيش مسلحين لا يشبهونهم بشيء. هم بلا عقيدة وبلا كرامة وبلا دينٍ وبلا شرف...
النقيب داني خيرالله أبٌ لطفلة ولدت منذ أيّام فقط. كتب في الرابع والعشرين من تموز الماضي على حسابه على خدمة "الواتساب": شكراً ربي على "كريستا".
ستكبر "كريستا" مع والدٍ أسير إطارات الصور المنتشرة في المنزل، بثيابه المرقّطة التي ستحفظ رائحة عرقه ودمائه ودموعاً ستذرف على رحيل هذا الشاب الجريء الذي يجمع عارفوه على أنّه مقدام لا يخشى المخاطر ويعشق المؤسسة العسكريّة... حتى الشهادة.
ستكبر "كريستا" على روايات عن بطولات والدها سترويها لها أمّها قبل أن تنام. لعلّ ضمّة واحدة من والدها ستساوي الروايات كلّها والبطولات كلّها...
فيا أيّها المجرمون السفلة من أين أتيتم الى أرضنا لتقتلوا شبابنا؟ من أين أتيتم لتحرموا هذه الطفلة من أبٍ بالكاد فرح بها قبل أن يناديه الواجب الى معركتكم الدنيئة؟
وبعد، يفتح سقوط الشهداء من الجيش، بهذا العدد الكبير في فترة زمنيّة قصيرة، الباب لإلقاء الضوء على واقع المؤسسة العسكريّة، حيث لا نستفيق على الجيش، وعلى "حماية الجيش، و"دعمه"... وعلى أنّ "الجيش سياج الوطن"، إلا حين يُضربُ الجيش ويُقتل ضبّاطُه أمام أعين بعض الطبقة السياسيّة التي تتحوّل الى "قوافل" من المستنكرين، والمزايدين والباكين كالنساء على جيشٍ لم يحموه كالرجال...
ربما يقول قائل: أليس على الجيش أن يحمي لا أن يُحمى؟ إلا أنّ الحقيقة أنّ الجيش، في بلدٍ فسيفسائيّ المذاهب مثل لبنان، يعجز عن القيام بأّيّ مهام من دون غطاءٍ سياسي، وغالباً ما لا يأتي هذا الغطاء، أو يتأخر، فيصبح الجيش في عراءٍ سياسيّ فلا يقدر، في بعض الأحيان، على فتح طريق قطعها بعض الصبية.
ألم يتمّ التعرّض لمواطنين، وقيام حواجز مسلّحة، واحتلال مواقع عامة، وقطع طرقات، على مرأى من الجيش المكبّل والعاجز بسبب قرارٍ سياسيّ غائب؟
ألم يستشهد النقيب بيار المشعلاني ورفاقُه، على الأرض التي يُستهدف فيها الجيش اليوم، من دون أن يتمكّن من المواجهة في حينها؟
ألا يجدر بنا أن نحمّل المسؤوليّة الى سلطة أباحت دخول مئات الآلاف من غير اللبنانيّين الى الأراضي اللبنانيّة، من دون حسيب أو رقيب، لا بل أنّ بعض الإعلام التافه راح يدافع عن هؤلاء أكثر من دفاعه عن اللبنانيّين وحقوقهم، إما باسم الإنسانيّة وإما باسم محاربة العنصريّة؟
هذه السلطة هي من قتلت وتقتل أصحاب البزّات المرقّطة المجبولة بالعرق والدم والتراب والحاملة لعبء الحرمان الذي يعانون منه، كما تعاني منه مؤسّستُهم، لأنّ بعض السياسيّين الذين استباحوا الإدارات والمؤسسات فساداً وهدراً، لا "يضيق" بعينهم إلا الجيش فلا يقتصدون إلا حين يتصلُ الأمرُ بتسليحِه ورفعِ الحرمان عن عسكريّيه الفقراء المحرومين...
لن نبكي على الشهداء الذين سقطوا، بل سنغضب على بعض السياسيّين الغارقين في الطائفيّة المقيتة وفي لعبة المصالح الخارجيّة... وبعضهم لم يتردّد في الأمس وقبله، وبلغةٍ سافلة، في تغطية الزعران الذين يقتلون عسكريّي الجيش.
لن نبكي، بل سنردّد باسم الطفلة "كريستا" التي لا تعرف النطق، وباسم أولاد العقيد الشهيد نور الجمل والشهداء كلّهم: لعنة الله عليكم... لعنة الله عليكم... لعنة الله عليكم...