اختراع أميركي

كادت أميركا تعلن الحداد الرسمي. البيت الابيض أصدر نعياً مؤثراً باسم الرئيس باراك أوباما. اسواق المال والاعمال الاميركية اضطربت، وتأثرت بقية الاسواق العالمية. احتل خبر الوفاة الصدارة في جميع وسائل الاعلام الاميركية التي تبارت في التعريف بالراحل وسيرته وإبداعاته التكنولوجية، وأفسحت المجال أمام الجمهور لكي يعبر على صفحاتها ومواقعها عن تعازيه، بواسطة أجهزة يحمل معظمها علامة التفاحة الشهيرة التي شرع المستهلك في قضمها.

يوم حزين لأميركا. رحل ستيفن جوبز مؤسس وموجه شركة "أبل" للتكنولوجيا التي أنشأها في مرأب للسيارات في العام 1976، برأسمال قدره الف دولار، وتحولت الى أقوى وأكبر شركة تكنولوجية في العالم تقدر قيمتها بما يزيد على 150 مليار دولار، نتيجة ابتكارها مجموعة من أهم وأرق أجهزة الكومبيوتر والهاتف والموسيقى المحمولة والاكثر تطورا واستجابة لتقنية اللمس التي تحمل "ابل" براءة اختراعها، وهي الاجهزة الموجودة الآن في أيدي ملايين المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

سيرة جوبز تشبه الى حد ما سيرة أوباما نفسه، وان كان مؤسس شركة "أبل"، لم يحتفظ مثل الرئيس الاميركي بكنيته، ولم يسع الى البحث عن جذوره العربية والاسلامية، أو حتى أصله السوري، الذي لا يحتاج الى جهد كبير للتثبت منها، خصوصا ان والده البيولوجي عبد الفتاح جندلي المولود في حمص، والمتخرج من الجامعة الاميركية في بيروت ما زال حيا يرزق في أميركا وقد عبر امس عن حزنه لوفاة نجله الذي لم يلتق به يوما منذ أن تخلى عنه عندما كان طالبا في إحدى جامعات الولايات المتحدة نتيجة اعتراض والد زوجته الاميركية على زواجهما.

بعكس أوباما الذي لا يبدو فخورا بأصوله الكينية وجذوره الاسلامية لكنه لا ينكرها، اكتفى جوبز بتحقيق الحلم الاميركي وانقطع تماما حتى عن جيناته الاصلية، بعكس شقيقته البيولوجية الروائية الاميركية المعروفة منى سمبسون التي تصالحت مع والدها عبد الفتاح بعد سنوات على افتراقه عن أمها وهي لا تزال مرتبطة به الى اليوم، وتسمع منه الكثير عن عائلته وبلده وتاريخه، ما يمكن ان يتحول يوماً الى رواية مهمة عن تاريخ العرب الاميركيين وهجرتهم ودورهم في المجتمع الاميركي.

لذلك يبدو أن الحلم الذي حققه جوبز أكثر إثارة للجدل من الحلم الذي حققه أوباما. بلوغ كل منهما القمة في مجاله معيار مهم للحكم عليهما، لكن السبيل الى تلك القمة لم يكن سوياً ولا كان مشرفاً بالنسبة الى مؤسس شركة "أبل" الذي لم يكمل دراسته الجامعية ولم يكن مهندس كومبيوتر أو مبرمجاً، بل كان رجل صفقات مغامراً، تعاطى لفترة طويلة من شبابه أشد أنواع المخدرات خطورة (ال اس دي) وارتبط بعلاقات انتهازية مع الجنس الآخر، ودخل في صراعات متواصلة مع شركائه ومساعديه.. الى ان قاد الشركة الى ذروة النجاح المالي عندما توصل الى ما يمكن ان يعتبر أحد أهم مبتكرات الثقافة الاستهلاكية المدمرة للأجيال الشابة في أميركا وخارجها.

يحق لأميركا أن تكون حزينة.. مثلما يحق لسوريا ان تكون متحسرة على فقدان ابنها العاق.