«ربيع» لبنان بين الريع والرعاية

ادمون صعب

السفير

«قيل: الرئاسة حلوة الرضاع مُرّة الفطام».

ابن عربي

 

اعتبر كثيرون ان الحكومة عبرت بسلام «قطوع» المطالب العمالية، بإقرارها حلاً مقبولاً نسبياً لموضوع الأجور، في حين ان الفرصة كانت متاحة لها لفتح الملف الاجتماعي وتحقيق نوع من العدالة لم تُقدم، بل لم تجرؤ على مثلها أي من الحكومات منذ اتفاق الطائف.

وكانت أمام الحكومة فرصة للانضمام إلى الحركة التغييرية التي يشهدها عدد من الدول العربية منذ انتفاضة تونس التي بدأ معها ما يعرف بـ«الربيع العربي»، ذلك ان الظروف التي تألفت فيها الحكومة، والعناصر الوزارية التي ضمتها، وقد اختيرت، وخصوصاً بالنسبة إلى الفريق المسيحي الذي يمثله «التيار الوطني الحر»، بحيث يكون لها دور تغييري، يصحح أخطاء الحقبة الحريرية التي امتدت عقدين من الزمن ورافقتها تجاوزات كثيرة، اقتصادية ومالية خصوصاً، إلى تجاهل الملفات والمطالب الاجتماعية أو معالجتها بطريقة جزئية، تماماً كما فعلت الحكومة الميقاتية ليل أول من أمس. كذلك يساهم هذا الفريق في رسم توجهات الحكم في اتجاه دولة الرعاية لتحل مكان دولة الريع التي وضع خططها الرئيس الراحل رفيق الحريري والفريق الذي عاونه، وكانت أبرز آثارها المدمرة للاقتصاد المديونية المرتفعة، وكذلك البطالة، وخصوصاً في صفوف الشباب والشابات، وتوقف الاستثمار والاكتفاء بعائدات الريع، سواء أكان ودائع في المصارف، أم سندات خزينة، أم عقارات، إضافة إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية وإبقائها على حافة الإفلاس. وقد تبدى ذلك من خلال موقف الهيئات الاقتصادية من تسوية موضوع زيادة الأجور، وزعمها بعجز المؤسسات الإنتاجية، وخصوصاً الصناعية، عن تنفيذ بنود التسوية التي اعتبرها العمالي بمثابة حجر يسند الخابية حتى لا تسقط وتنكسر.

وثمة من قال ان العمال قد «أشفقوا» حقاً على أرباب العمل «الفقراء»، بقبولهم «فتات» المؤسسات التي لم تحسب يوماً حساباً لحقوق العمال كشركاء في عملية الإنتاج.

نقول ان الحكومة أضاعت المشاركة في «الربيع العربي» الاقتصادي والاجتماعي، بعدما اعتبر تأليفها، مع انطلاق الانتفاضة التونسية، بداية لـ«ربيع سياسي» أزاح من فوق صدور اللبنانيين أثقال حكومة أفقرتهم وهجّرت زهرات شبابهم، ورهنت سيادتهم واستقلالهم للخارج، كما أقامت هيئات وصناديق موازية لإدارة الدولة من دون رقيب أو حسيب، وأضاعت أموالاً لا يعرف أحد كيف صُرفت خلال السنين العشرين الماضية، وقد قدرتها لجنة المال النيابية بـ11 مليار دولار. ذلك ان الملف الاجتماعي الذي اختُصر بزيادة متواضعة في الحد الأدنى للأجر، كان مُفترضاً ان يطرح خلال إعداد موازنة السنة 2012 التي لم تلحظ أي تقديمات اجتماعية ذات بال، في حين حوت زيادات في الضرائب من أجل تغذية الواردات والوفاء بالتزامات مالية بارزة أهمها مساهمة لبنان في موازنة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تقرب من 50 مليون دولار، تبلغ مساهمة كل لبناني فيها 15 دولاراً!

ومعروف ان للبناني حساسية حيال زيادة الضرائب، نظراً إلى الفساد المستشري في الإدارة، ولأن المكلف لا يشعر بالإفادة مما يدفعه للدولة في شكل ضرائب يعتبرها أتاوة و«تسلبطاً» عليه، لأن حاصلاتها ستذهب إلى أصحاب النفوذ، وستزيد من انتفاخ جيوب السماسرة والمحاسيب. ولو جُعلت معالجة الملف الاجتماعي كما أعدها وزير العمل شربل نحاس وأشاد بها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في معرض شرحه ظروف إقرار الحكومة زيادة الحد الأدنى للأجر وملحقاته، لو جُعلت أحد مصراعي ملف الموازنة، لما كانت تصاعدت الأصوات الرافضة زيادة الضرائب والأعباء المالية على المواطنين، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود، والذين هم على عتبة الفقر ويناهز عددهم نصف اللبنانيين. ولا تنحصر هذه الأصوات بالمعارضة، بل تشمل كذلك وزراء ونواباً في الأكثرية، علماً بأن تأدية الضرائب والخدمة العسكرية هما أبرز مظاهر المواطنة الصالحة في الدول الديموقراطية. وقد فاخر بهما الجنود الأميركيون، وخصوصاً السود منهم الذين شاركوا في معركة «عاصفة الصحراء» في شباط 1991 لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ثم في غزو العراق واحتلاله في نيسان 2003.

وربما كان كافياً تبني مشروع الوزير نحاس لتعميم الضمان الصحي على جميع اللبنانيين بدون استثناء، على أساس ان هذا أبسط واجبات دولة الرعاية، وجعل التغطية الصحية تستمر مع المتقاعد بعد بلوغه سن الرابعة والستين، وعلى نفقة الدولة كذلك، باعتبار ان اشتراكات الأجراء وأرباب العمل في الضمان الاجتماعي تتوقف بعد حصول الأجير على تعويض نهاية الخدمة، فضلاً عن إبدال نهاية الخدمة براتب تقاعدي يؤمن للأجير تقاعداً مريحاً ومشرفاً، بدلا من التسوّل على أبواب الجمعيات والهيئات الخيرية والسياسية أحياناً التي يرتهن لها أفراد العائلة في ما بعد. وربما كان تبني هذا المشروع كافياً لجعل أي ضريبة واجباً، وليس استحقاقاً فحسب. وتكفي المقارنة بين قسيمة الراتب في دولة الريع، ومثيلتها في دولة الرعاية، لإظهار أهمية ما يمكن ان تنجزه الحكومة في الحقل الاجتماعي من انجازات ستعتبر تاريخية، وتضع الحكومة في مصاف حكومات الدول ذات الأنظمة الديموقراطية ـ الاجتماعية التي تولي أهمية كبيرة لمطالب الناس يساعدها في ذلك ضغط الرأي العام الذي تعطّل الطائفية والمذهبية مفاعيله، تماماً كما تفعل الأنظمة الديكتاتورية التي يثور الشباب العربي عليها. ذلك ان الاعتبارات الطائفية والمذهبية غالباً ما تشل قدرة الرأي العام على المحاسبة. كما ان معظم الديكتاتوريات أقامت سلطتها على لامسؤولية الجماهير الاجتماعية، وخصوصاً النقابات العمالية. ويقول أحد المفكرين الغربيين (وليم رايش) «ان العجز الفردي يصنع الجماهير العاجزة»، كما يتسبب في إضعاف محبة المواطنين لبلدهم على ما يقول عبد الرحمن الكواكبي الذي يرى «ان الاستبداد يتصرف بأكثر الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيُضعفها ويُفسدها أو يمحوها فيجعل الإنسان يكفر بنعم مولاه، لأنه لم يملكها حق الملك ليحمده الله عليها حق الحمد، ويجعله حاقداً على قومه لأنهم عون لبلاء الاستبداد عليه، وفاقداً لحب وطنه، لأنه غير آمن على الاستقرار فيه، ويود لو ينتقل منه. وأسير الاستبداد لا يملك شيئاً ليحرص عليه، لأنه لا يملك مالاً غير معرّض للسلب، ولا شرفاً غير معرّض للإهانة».

ماذا في قسيمة الراتب في دولة الرعاية؟

ـ أساسي الراتب.

ـ الضمان الاجتماعي: المرض والتعويض العائلي.

ـ ضمان الشيخوخة.

ـ ضمان التقاعد: الأساسي والإضافي (للملاكات العليا).

ـ التقاعد المهني.

ـ تعويض البطالة.

ـ بدل انتقال.

مع الإشارة إلى ان الأم الحامل تُعطى بعد الولادة بدل حليب وحفاضات خلال السنة الأولى، شرط الخضوع لفحص طبي شهرياً في مركز رعاية الطفولة والأمومة. وفي ضوء السياسة الإنجابية تُعطى العائلة منحة سكن في حال كان المنزل صغيراً وزاد أفراد العائلة.

ويقدّر أصحاب العمل حصتهم من هذه الأعباء بما يراوح بين 40 إلى 50 في المئة زيادة على قيمة الراتب.

وفي حال البطالة يُعطى العامل تعويضاً شهرياً يشكل نسبة كبيرة من الراتب الأساسي شرط إبراز إفادة بأنه ذهب إلى إحدى المؤسسات وطلب عملاً فأُبلغ عدم وجود مجالات عمل لديها.

فماذا يصيب العامل في لبنان من هذه التقديمات؟

وكم يبدو صاحب العمل فيه محظوظاً!

ابتسم، أنت في لبنان.