نزار عبد القادر
الديار
حذرت معظم السفارات الغربية رعاياها المقيمين في لبنان او المسافرين اليه بتجنب التواجه في مناطق عديدة من البلد. كما حذرت من امكانية اندلاع اعمال عنف او مظاهرات صاخبة بشكل مفاجئ، ونصحت بعض السفارات رعاياها بعدم الاقتراب من الحدود اللبنانية - السورية، والتي شهدت اعمال عنف بسبب اجتياز قوات سورية لخط الحدود في البقاع والشمال. يبدو ان مفاعيل حادثة اختطاف الاستونيين السبعة ما زالت حية في اذهان البعثات الديبلوماسية، حيث ذكرت معظم السفارات رعاياها في لبنان من امكانية تعرضهم للخطف من قبل عصابات منظمة تسعى للحصول على فدية لقاء اطلاق سراحهم، وذهبت السفارة الاميركية في بيروت الى تحذير الرعايا الاميركيين بان السياسة الاميركية تقضي برفض القبول بدفع اية فدية من اجل تحرير مواطنيها في حال تعرضهم للخطف. كان اللافت ان بعض السفارات قد ذهبت في التحذيرات المكتوبة التي ارسلتها عبر البريد الالكتروني الى التذكير بعدد كبير من الحوادث والخروقات الامنية التي شهدها لبنان خلال الفترة الماضية، كما اتهمت القوى الامنية اللبنانية بعدم امتلاك القدرة اللازمة لحماية المواطنين او الزوار الاجانب.
ردّ وزير الداخلية مروان شربل بشكل مقتضب على هذه التحذيرات الصادرة عن السفارات الغربية، حيث اعتبر بانها «تشكل تدابير روتينية، تصدر بين الحين والاخر» ولاحظ بانها المرة الاولى التي يجري فيها تحديد بعض المناطق، وخصوصا تلك التي تشهد توترا على خط الحدود مع سوريا.
من المفترض ان تدرس السلطات اللبنانية السياسية والامنية هذه التحذيرات مع كل ما حملته من تفاصيل (لم يسبق ان تضمنت التحذيرات السابقة كل المعلومات التفصيلية حول الخروقات الامنية او التهديدات المحتملة)، وان تعتبرها بمثابة إخبار لا بد من التأكد من صحته او بمثابة عملية استقراء لتطورات واحداث امنية يمكن ان يشهدها لبنان في المستقبل المنظور.
تدعو الواقعية والحكمة الى التعامل مع ما تضمنته هذه التحذيرات من تذكير باحداث وخروقات امنية حدثت سابقا ومن ارتقابات لتطورات واحداث يمكن ان يشهدها لبنان بجدية سواء لجهة اجراء عملية تقييم ومراجعة لتقصير الاجهزة الامنية والقضائية في التعامل بجدية وفعالية مع الخروقات والجرائم السابقة من اجل كشف الفاعلين وسوقهم للمحاكمة، او لجهة وضع خطة لمواجهة التهديدات الممكنة او المحتملة، والقيام بكل الاجراءات الوقائية اللازمة لمنع حصولها او التخفيف من نتائجها. يرى عدد من الخبراء الامنيين بان لهذه التحذيرات الصادرة عن السفارات الغربية ما يبررها سواء لجهة التوقيت او التفاصيل التي تضمنتها، وبانه قد يكون من الخطأ وصفها بالاصدارات الروتينية التي تعممها السفارات على رعاياها المقيمين في لبنان. ويرى هؤلاء الخبراء بان المعلومات حول الخروقات والجرائم المرتكبة تؤشر الى فقدان ثقة هذه السفارات او الدول التي تمثلها بقدرات السلطة السياسية والاجهزة الامنية اللبنانية على حفظ الامن وتحقيق الامان على جميع الاراضي اللبنانية. ويذكر بعض هؤلاء الخبراء بتلك الصرخة التي اطلقها ممثل الامين العام للامم المتحدة حول عدم قيام الاجهزة اللبنانية باعتقال اشخاص معروفين بضلوعهم بجرائم ارتكبت ضد قوات «اليونيفيل».
في رأينا لقد بلغ الوضع الامني درجة من الهشاشة التي باتت تفترض ان يأخذ اللبنانيون حذرهم من الدخول الى بعض المناطق او سلوك بعض الطرقات حيث لم تعد تقتصر التهديدات على الاجانب المقيمين او العابرين. لم يعد مصدر التهديد مقتصراً على الجماعات او المنظمات التي تخطّط للقيام بعمليات لاسباب سياسية او امنية بل تعدت الامور كل ذلك ليشمل الفلتان الامني ما تقوم به عصابات «الازقة» او عصابات الجريمة المنظمة تحت حماية قوى الأمر الواقع.
هناك مشكلة أمنية متفاقمة، ولا يمكن التصدّي لها في ظل هذا الانقسام السياسي الذي نشهده، ولا بد من التحذير من مخاطر هذه العراضات التي نشهدها تتكرر داخل المدن وعبر الحدود مع سوريا، سواء تلك المؤيدة للنظام السوري او للمعارضة السورية، يمكن استباق الحدث والتحذير من امكانية ان تؤدي هذه العراضات الى فلتان امني، خصوصا بعد ظهور السلاح بشكل علني في بعضها.
على ضوء هذه التحذيرات من امكانية تعرض الرعايا الاجانب لشتى انواع التهديدات والمخاطر، ومع النظر اليها على خلفية ما شهده من لبنان من اعتداءات واحداث طالت القوات الدولية، ومن عمليات خطف تعرّض لها الرعايا الاجانب، بالاضافة الى التهديدات الموجهة الى بعثات الامم المتحدة وبعض السفارات المعتمدة في لبنان، يبدو من الواقعي والمنطقي التساؤل حول حقيقة تصنيف لبنان كدولة فاشلة من قبل السفارات الغربية، خصوصاً بعدما تحدث بعضها عن عدم قدرة الدولة على تأمين مطار رفيق الحريري الدولي والطرق المؤدية اليه، ليس هناك من تعريف موحّد للدولة الفاشلة، ولكن يمكن من اجل الفائدة توصيف الوضع اللبناني في المرحلة الراهنة بشكل شامل وموضوعي بالاستناد في تحديدنا للدولة الفاشلة على ثلاثة مفاهيم: الاول، حيث تصنف الدولة فاشلة في حالة غياب الامن، وعدم قدرة الدولة على فرض سيادة القانون على اراضيها. الثاني، وهو المفهوم الضيق الذي يعتمده البنك الدولي لناحية وجود ازمة اقتصادية حادة، مع تدني دخل الفرد والعائلة، وبالتالي ارتفاع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر. الثالث، حيث تتعرض البلاد لازمة سياسية حادة تؤدي الى شرذمة المجتمع والدولة، مع غياب او عدم قدرة الدولة على القيام بوظائفها الاساسية بما فيها تقديم الخدمات الاساسية.
اذا تفحصنا الحالة اللبنانية الراهنة فانه من السهل التعرّف على وجود كل العناصر الاساسية في المفاهيم الثلاثة الآنفة الذكر. فالدولة اللبنانية غير قادرة على تحقيق سلطة القانون على مناطق عديدة، وهي تبدو عاجزة في كثير من الحالات عن القيام بتحقيقات حاسمة في الجرائم الهامة، او في القبض على المجرمين وتقديمهم للعدالة. كما يشهد لبنان تراجعا اقتصاديا مضطردا وينعكس ذلك على مستوى الدخل ومعيشة المواطنين. واذا صدقنا الارقام التي تحدث عنها الاتحاد العمالي قبل ايام فان نسبة اللبنانيين الذين يعيشون حالة فقر حقيقي قد تصل الى 80 في المائة. اما عن تقصير الدولة في تقديم الخدمات الضرورية فحدث ولا حرج، بالاضافة الى ان العديد من المؤسسات الخدماتية الاساسية ما زال يخضع لسلطات قوى الأمر الواقع بدل خضوعه لسلطة القطاع العام.
لكن يبقى الشق الامني هوالاهم والابرز في نظر السفارات والدول والمؤسسات الدولية في موضوع تصنيف لبنان كدولة فاشلة، وان على القوى السياسية ان تدرك بأنه لا يمكن الحديث عن الاستقرار والامن في ظل غياب القرار السياسي الموحد والفاعل.