"جوكر" ميقاتي متروك للوقت المناسب

حين خرج رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون في احد مؤتمراته الصحافية الاسبوعية بمعادلة ان يمول رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وشقيقه طه ميقاتي المحكمة الدولية الخاصة من جيبه الخاص لا ان تتولى الحكومة هذا الموضوع، تلقف رئيس الحكومة هذه المعادلة من اجل ان يبني عليها على اساس ان هذا الموقف على سلبيته يتضمن اقرارا بمبدئية ضرورة تمويل المحكمة. وسارع ميقاتي الى طرح الموضوع من زاوية ان المسألة قابلة للنقاش من هذه الزاوية، لكن سرعان ما صوب عون ما ذهب اليه على الارجح نتيجة تنسيق مسبق باعتبار ان اوساطا سياسية متعددة وديبلوماسية تعتبر ان رئيس التيار الوطني الحر يتقدم واجهة اعلان او قول ما ليس حليفه "حزب الله" مستعدا للقول به جهارا في انتظار الوقت المناسب، فانتقل الى ضرورة محاسبة رئيس الحكومة في حال اقدم على ذلك.
وفي حين يأخذ الكلام على تمويل المحكمة مداه نتيجة الاستحقاق الذي تواجهه الحكومة من خلال حتمية بحث تمويل المحكمة في مشروع الموازنة الذي بدأ درسه على طاولة مجلس الوزراء، فان اوساطا رسمية تكشف ان "حزب الله" لم يكشف ورقته فعليا على نحو مباشر، بل تحدث بالنيابة عنه كل من العماد عون والزوار الذين التقوا الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ونقلوا عنه مواقف جازمة في اتجاه رفض التمويل. ومع ان الموقف يسري عن اتجاه محسوم لدى الحزب بعدم التمويل نتيجة وصفه المحكمة بانها اميركية اسرائيلية، فان المعلومات المتوافرة لدى هذه الاوساط تفيد بان الامين العام للحزب اوصل رسالة مباشرة الى رئيس الحكومة مفادها ان كل شيء في وقته على نحو يماثل الى حد كبير الموقف الذي ابلغه ايضا رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الرئيس ميقاتي من ان لكل شيء اوانه.
في المهلة المفتوحة حتى نهاية السنة حول هذا الموضوع يفترض ان تتوضح امور كثيرة من خلال ابراز مفاعيل او انعكاسات التمويل وعدمه. وفي رأي مصادر رسمية ان عدم التمويل سيئ جدا على اطراف عدة بمن فيهم "حزب الله" نفسه. اذ تخشى هذه المصادر الا يكون ممكنا في ظل الرفض القاطع للحزب بتمويل المحكمة اقناع اي كان بعدم مسؤولية الحزب في اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الدرجة الاولى.
وعلى مستوى آخر فانه اذا كان الحزب استعان بالرئيس ميقاتي من اجل تسهيل القبول بالحكومة ومنع المخاطر الخارجية عنها باعتبار ان الحزب، ووفق المنطق الذي يقول به عن استمرار استهدافه من الخارج، فان عدم تمويل المحكمة يساهم في ابقاء المحكمة سيفا مصلتا فوق رأسه بالاستناد الى انه يعتبر انها تستهدفه. وذا اضيف الى ذلك ما يعتبر استهدافا للمحور السوري الايراني انطلاقا مما يجري في سوريا وصولا الى العقوبات المتزايدة ضد ايران في ما عرف بالهلال الشيعي، فان الحزب في موقع من يتحتم عليه ان ينأى بنفسه عن هذا الاستهداف في حال كان صحيحا هذا الاستهداف لا استدراج السيف المصلت فوق رأسه من اجل ان تشتد وطأته. اذ ان اي عقوبات فورية على لبنان نتيجة عدم التمويل قد لا تفرض بسهولة. لكن لبنان سيضع نفسه في هذه الحال في موقع من سيعاني من قرارات تصيبه ولن يراعى فيه ، كما هي الحال راهنا في السعي الى عدم تلقي لبنان اي تبعات للعقوبات التي تفرضها الدول الغربية على سوريا. اذ ان السعي الى تشديد العقوبات على النظام السوري في المدى القريب لن يخشى معه تأثر لبنان بها في هذه الحال، في حين ان سوريا ككل وليس النظام السوري مَنْ قد يتأثر بان تطاول العقوبات لبنان كون هذا الاخير وعلى رغم الشكوى من الحدود المفتوحة على التهريب بما فيها تهريب السلاح وفق ما يقول النظام، فان لبنان يشكل رئة لا بد منها لسوريا من اجل ان تتنفس من خلالها. ولذلك لا يفهم المغزى من اطاحة هذا الاحتمال او المخاطرة بخسارته والتأثير سلبا في مصلحة سوريا ايضا.
في اي حال يترك الرئيس ميقاتي لدى زواره انطباعا بانه لا يرغب في استباق نتائج المناقشات المفتوحة على مراحل متعددة على ما يبدو من الآن وحتى اوان مهلة التمويل على قاعدة ان السيناريوات التي تطرح حول استقالته في حال رفض الحزب التمويل وتاليا منع الحكومة من التزام التعهدات التي قطعها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس ميقاتي على حد سواء هي في اطار التكهنات. فالقرار الذي اتخذه بترؤس الحكومة لا يفيد انه سيستقيل عند هذا الاستحقاق والهامش متاح امام خيارات اخرى باعتبار انه، وعلى عكس ما اشيع عن التزامات قطعها مسبقا للحزب قبيل موافقته على تكليفه تأليف الحكومة، فان هذه الالتزامات لا اساس لها. فهل يخفي ميقاتي "جوكرا" ما يمكن ان يستخدمه في الوقت المناسب؟