اللواء: تكريس التباعد السياسي وإدخال الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال بلا إستقالة
اللواء: تكريس التباعد السياسي وإدخال الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال بلا إستقالة
اللواء

كتبت صحيفة "اللواء": يُبدي العديد من الوزراء مخاوف جدّية من استفحال حالة المناكفة السياسية الحادّة التي سادت مناقشات الجلسات الأخيرة لمجلس الوزراء وقبلها أكثر من جلسة بين أطراف الأكثرية القسرية المتعددين وتحديداً بين وزراء جبهة النضال الوطني ووزراء التيار العوني، وتقاذف المواقف الحادّة في المناسبات والمؤتمرات الصحفية وغيرها بين النائب ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والخشية من تحوّل هذه الحالة إلى أسلوب جديد في التعاطي، يرتكز على الاشتباك السياسي المتواصل، بين معظم أطراف الحكومة في المرحلة المقبلة، لتشمل فيما بعد أطرافاً حياديين ورؤساء ومسؤولين كبار، كما يحصل حالياً بالنسبة للملفات والقضايا الخلافية الحسّاسة، كملف تمويل المحكمة الدولية ومناقشة مشروع الموازنة والتعيينات في المراكز المهمة والحسّاسة في إدارات الدولة وغير ذلك من الأمور والمسائل المستجدة، وهو ما يؤدي حتماً في النهاية إلى تفاعل حدّة الخلاف بين هؤلاء الأطراف جميعاً واستحالة التفاهم في ما بينهم بالرغم من استفادة معظمهم في موقعه داخل الوزارة الجديدة، لناحية حجمه التمثيلي أو منفعته السياسية والشخصية على حدٍّ سواء قياساً على مواقعه في الوزارات السابقة.

ويكشف بعض هؤلاء الوزراء النقاب عن محاولات مكشوفة يبذلها وزراء التيار العوني عمداً، لإطالة أمد النقاشات حول مسائل ومواضيع عادية جداً من دون اي جدوى تذكر، فيتناوب الوزير جبران باسيل تارة والوزير شربل نحاس تارة اخرى على الدخول في جدل بيزنطي عقيم بشأنها ومناقشتها باساليب مطولة ومّملة في معظم الاحيان، مما يؤدي الى شعور معظم الوزراء بالاستياء والملل ويستتبع ذلك بتأجيل البت بالعديد من البنود والقضايا المدرجة على جدول اعمال مجلس الوزراء، الى جلسات لاحقة وهو ما ينعكس تباطؤاً ملحوظاً في وتيرة العمل الحكومي ويؤثر سلباً على انتاجية الحكومة وانجازاتها ويؤخر البت بالمسائل والحاجات الضرورية للمواطنين عموماً.

ولا يقتصر الامر عند هذا الحد، فالاداء الحكومي بمجمله يؤثر على انطلاقة الحكومة ككل ويحد من فاعليتها في معالجة العديد من الامور والاحداث التي باتت تشكل مصدر قلق للناس لا سيما بعدما احجمت عن معالجتها واطلاق الناس على فحوى موقفها منها وخصوصاً الاحداث الامنية التي تحصل على الحدود السورية اللبنانية والخروقات والتعديات على الاراضي اللبنانية، ومواقف لبنان من الازمة السورية في المحافل العربية والدولية على حدٍ سواء، اضافة الى حوادث خطف المواطنين السوريين من لبنان والتعاطي مع المعارضين السوريين، بعدما اتبعت الحكومة سياسة التغاضي و"التطنيش" عن هذه الحوادث والمسائل وعدم اتخاذ مواقف محددة منها، مما ترك تساؤلات عديدة وشكوكاً كثيرة لدى الرأي العام عموماً من سياسة الحكومة المتبعة بهذا الخصوص وقلص الثقة بها الى أدنى حدٍ ممكن، لانها تتنافى مع توجهات معظم اللبنانيين ولا تتماشى مع موجبات التعاطي بين بلدين مستقلين.

ويضيف هؤلاء الوزراء بأن ما ينتظر الحكومة من مسائل خلافية ملحّة كمسألة البت بتمويل المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومناقشة الموازنة العامة، لا يبشر بامكانية الخوض بهاتين المسألتين بمعزل عن المواقف المعلنة لحزب الله وحلفائه في هذا الخصوص، بالرغم من تأكيدات رئيس الحكومة المتكررة في اكثر من مناسبة محلية ودولية بالتزامه تمويل المحكمة الدولية، لانه لا يمكن التوفيق بين الموقفين المذكورين على الاطلاق بعد سلسلة المواقف المعلنة عن الحزب برفض التمويل وعدم الموافقة على حصوله بأي شكل من الاشكال، مما يدخل الحكومة ككل في مأزق بالغ الصعوبة ويزيد من حدة المناكفات السياسية ورفع أفاق السجال القائم باتجاه مزيد من التباين واستفحال الخلاف بين مؤيدي ومعارضي تمويل المحكمة ويعطي دفعاً قوياً للتباعد اكثر من اي وقت مضى في اتجاهات متعارضة، وقد يتطور الأمر جنوح بعض الاطراف للانفراد نهائياً عن الاكثرية القسرية باتجاه قوى المعارضة، في حال تفاعلت حدة التطورات الجارية في سوريا نحو الاسوأ.

ومن وجهة نظر هؤلاء الوزراء، فان كل هذه العوامل السلبية ضغطت بشكل سلبي على الأداء الحكومي الذي لم يستطع حتى مقاربة الشأن الاجتماعي الضاغط بسياسة حكيمة ومسؤولة لوضع المعالجات المطلوبة التي تخفف عن كاهل العامل وعن ذوي الدخل المحدود، وقد ظهر التخبط والارتباك الحكومي واضحاً في المعالجة المتسرعة لزيادة الأجور، مما فاقم هذه المشكلة بدلاً من ايجاد حل لها وزاد أعباء الغلاء وارتفاع الأسعار بدلاً من تخفيفها أو وضع حدود معقولة لها، بعدما خرجت المعالجات المطلوبة لهذا الملف المطلبي الملح من اختصاص رئيس الحكومة حسب الصلاحيات والدستور، لهيمنة رئيس المجلس النيابي خلافاً للدستور، وبعدما تسرعت الحكومة في الانصياع للضغوطات المفروضة عليها تحت ذرائع ومبررات ترهيبية واهية وغير مقبولة.

ويخلص هؤلاء الوزراء إلى القول أن كل هذه الوقائع والملفات الخلافية الحسّاسة والتباينات السياسية، قد تجعل من أي جلسة مقبلة لمجلس الوزراء مكاناً لإعادة تأجيج الخلافات نحو الأسوأ، وفي أحسن الأحوال إذا نجحت المداخلات في كتم الخلافات لحاجة معظم الأطراف للبقاء مرحلياً ضمن صفوف الحكومة، في انتظار مصير التطورات في سوريا، فهذا يعني التفاهم بين الأطراف المعنيين على ترحيل او تأجيل القضايا الخلافية والبت بالمسائل والقضايا العادية غير المهمة، وبمعنى أوضح الدخول في مرحلة تصريف الاعمال بدون اعلان استقالة الحكومة.