الحوار أجدى قبل انتهاء أحداث سوريا أم بعده؟

اميل خوري

النهار

بعد عودة الكلام على عقد طاولة للحوار أو عقد مؤتمر وطني للبحث في تجنيب لبنان انعكاسات المواقف المتناقضة من تمويل المحكمة الدولية ومن الاحداث الجارية في سوريا، ثمة من يرى ان لا جدوى من أي حوار قبل أن تنجلي صورة هذه الاحداث ومعرفة لمصلحة أي طرف تصب نتائجها لأن كل طرف يراهن على أن هذه النتائج ستكون لمصلحته. وما دام هذا هو الوضع فإن أي طرف غير مستعد لتقديم تنازلات للطرف الآخر ظناً منه أنه لن يكون مضطراً إلى ذلك إذا كانت نتائج الأحداث في سوريا في مصلحته. فإذا جاءت في مصلحة مؤيدي النظام ضد مناهضيه، فلا يعود تمويل المحكمة مطروحاً وقد يتغير مسارها. أما إذا جاءت نتائج الأحداث في سوريا لمصلحة الطرف المناهض للنظام فيها فإن تمويل المحكمة يتم وتتم ايضا ملاحقة المتهمين بجرائم الاغتيال وسوقهم أمام المحكمة لأنها تصبح أكثر سهولة بفعل تبدل الظروف وتغير موازين القوى.

لذلك فإن انتظار كل طرف نتائج الاحداث في سوريا كي يبني عليها مواقفه، قد يجعل من الصعوبة بمكان تحقيق مصالحة وطنية شاملة تقوم على أساس لا غالب ولا مغلوب، بل إن هذه النتائج ستجعل طرفاً غالباً وطرفاً مغلوباً ويصبح العيش المشترك في خطر وكذلك الوحدة الداخلية.

لكن ثمة من يرى ضرورة العودة إلى طاولة الحوار أو عقد مؤتمر وطني موسّع وعدم انتظار نتائج ما يجري في سوريا ليكون لكل طرف موقفه، بل يمكن العودة الى البنود المهمة في تسوية "السين - سين" التي لم تبلغ خاتمتها السعيدة بسبب انعدام الثقة فكان ذلك العامل المهم في إفشالها. فإذا توصل اللبنانيون بفعل شدة اخلاصهم لوطنهم وحرصا منهم على استمرار الامن والاستقرار فيه والنهوض الاقتصادي، الى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية ومسامحة شاملة تطوي صفحة الماضي بكل مآسيها وتفتح صفحة جديدة لمستقبل واعد، فإنهم يكونون قد أنهوا الخلاف حول موضوع المحكمة وحالوا دون امتداد شرارة ما يجري في سوريا الى لبنان، أياً تكن نتائج ما يجري ولمصلحة أي طرف.

أما التسوية اللبنانية - اللبنانية التي يمكن التوصل اليها في المؤتمر الوطني، إذا صفت النيات وتطهرت النفوس ووضعت الخلافات السياسية والحزبية والشخصية جانبا بحيث تلبنن "السين - سين"، في اعتماد الاسس الآتية:

اولاً: التعهد بإصدار عفو عام عن كل الجرائم التي ارتكبت في لبنان أياً تكن الأحكام التي ستصدر عن المحكمة بحق المتهمين بارتكابها، وهذا من شأنه ان ينهي الخلاف الحاد القائم حول دستورية انشاء المحكمة وحول تسديد حصة لبنان في تمويلها، ذلك أنه لا يُعقل إصدار عفو عن مجهولين ولا إبقاء الحقيقة مجهولة في جرائم الاغتيال ولا العدالة مغيبة لئلا يشجع ذلك على ارتكاب مزيد من الجرائم.

ثانياً: أن يقابل التعهد بصدور هذا العفو تعهّد بتسليم كل الأسلحة خارج الشرعية الى الدول تعزيزا لوجودها وزيادة لقوتها بحيث تصبح قادرة على تطبيق القوانين على الجميع ومن دون تمييز. وعندها يقف جميع اللبنانيين صفاً واحداً في مواجهة اسرائيل عند الاعتداء على لبنان لا أن يكونوا كما هم اليوم منقسمين لأسباب شتى. وعندما يتم تسليم هذه الاسلحة الى الدولة اللبنانية فإنها لا تعود في حاجة إلى شراء أسلحة ترهق خزينة الدولة ولا تحقق بالتالي، مهما بلغ نوع هذه الاسلحة، تكافؤا مع سلاح الدولة الاسرائيلية. فإذا كانت المقاومة بأسلوبها المختلف عن اسلوب الجيوش النظامية تستطيع منع تقدم اسرائيل داخل اراضي الدولة، فإنها لا تستطيع ان تحرر الاراضي المحتلة اذا لم تتولَّ الجيوش هذه المهمة، مع العلم ان التحرير بقوة السلاح هو قرار يكون فاعلا إلا اذا اتخذ على مستوى الرؤساء العرب كي تهابه اسرائيل وليس من جانب أي دولة بمفردها.

ثالثاً: تشكيل حكومة اتحاد وطني تلتزم تنفيذ بنود هذه التسوية وتقيم افضل العلاقات مع سوريا أياً يكن النظام فيها ما دام انه قام بإرادة الشعب الحرة، وعندها يصير في الامكان تنفيذ ما تعذر تنفيذه تعزيزا لهذه العلاقات.

فهل في الامكان التوصل الى اتفاق بين الزعماء اللبنانيين على ان يكون قيام الدولة القوية التي لا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها في كل المناطق في مقابل الصفح والتسامح والغفران عن مرتكبي كل الجرائم، فيكون ذلك ثمن قيام دولة في لبنان لم تقم منذ عام 1975؟ ان الكلمة الفصل لتحقيق ذلك هي لـ"حزب الله" الذي يتنازل للدولة ولذوي الشهداء الذين يتنازلون عن حقوقهم.

�?gAXO�`U�e='font-family:"Simplified Arabic"'>والثابت برأي المصادر السياسية، أنّ لا إصلاح ولا تغيير في المدى المنظور، خصوصاً وأنّ الوضع الحكوميّ بدأ يهتزّ بسبب تمويل المحكمة الدولية، والتناقض بين الحلفاء في الأكثرية حوله، وذلك بالتزامن مع ظهور مؤشّرات تدل على عملية خلط أوراق قيد الإنجاز داخل الحكومة بسبب التجاذبات التي تتداخل فيها الطوائف والقوى السياسيّة والقوى العمّالية والهيئات الاقتصادية، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه عملية خلط أوراق إقليميّة ودولية. وأكّدت أنّ المنطقة تقف على عتبة حقبة مفصليّة يجري خلالها عمليّة تبديل لقواعد اللعبة، خصوصاً في سوريا، ممّا سيؤدّي إلى "هزّات ارتدادية" على الساحة الداخليّة اللبنانية وعلى اللاعبين المحلّيين كباراً كانوا أم صغاراً من حيث التمثيل السياسي والحجم الحقيقي!