القمة الروحيّة والوصايا اللبنانيّة
النهار

درجت العادة على اختصار القمم الروحيّة والسياسيّة بالقول إن أهم ما يمكنها تحقيقه وانجازه هو انعقادها في الدرجة الاولى، فتلتقط لوجوه حاضريها الصور المعبّرة والجامعة والباسمة، ولو ظاهراً، والتي توحي بالتفاهم والتوافق بين مختلف الانتماءات والتيّارات التي تشكّل النسيج اللبناني.
كل ما عدا هذه الكليشيهات والتردُّدات الروتينيّة يُترك للأيام لتتحدّث عنه بالنتائج، أو لتغيِّبه على طريقتها المألوفة.
لكن هذه العادة – "القاعدة" يجوز استبعادها خلال الحديث عن القمة الروحية التي استضافتها بكركي أمس، والتي تميَّزت بأهمية خاصة، نظراً الى دقّة المرحلة التي تجتازها المنطقة العربية، وتالياً دقّة الأزمة التي يتخبَّط فيها لبنان.
ليس ضرورياً في هذا المقام العودة دائماً الى مجاهل ومعالم الأسباب والعوامل التي تتجسّد خطورتها في التعقيدات والتداخلات التي تتخبَّط فيها أزمة تأليف الحكومة الجديدة. فالكل يعلم علم اليقين كيف، ولماذا، ومتى، ومَنْ، وأين...
لم يكن متوقعاً أو مطلوباً من هذه القمة أن تعيد اختراع البارود أو اختراع النموذج اللبناني "الفذ"، أو أن تبتكر حلولاً سياسيَّة لأزمات العالم العربي والعالم الغربي، أو تتولَّى أمر تأليف الحكومة المعرقلة منذ أشهر ونيابة عن رئيس الوزراء المكلَّف ورئيس الجمهورية وسلاطين الساحة السياسيّة الذين لا يختلفون عن المدابر والألغام الموقوتة.
كل ما يصبو اليه لبنان في هذه الفترة الحرجة والدقيقة يتلخَّص ويختصر بابعاد شبح المواجهات والانقسامات عن صيغته ونظامه وتركيبته الهشة للغاية، والنأي بميثاق التعايش، أو ما يُسمى زوراً وبهتاناً الميثاق الوطني، عن الحرائق التغييرية التي تأكل الأخضر واليابس على امتداد الجغرافيا الاقليميّة.
لقد عاش لبنان، ولأعوام، حالاً  من الفوضى العارمة على كل الصعد وفي شتى المجالات والميادين. وذاق طعم الفلتان الأمني، والفراغ الحكومي، والغياب التام للدولة والمؤسسات والسلطات على اختلاف مستوياتها.
وهو اليوم قاب قوسين أو أدنى من حال مشابهة، وربما أسوأ وأخطر وأبشع. بل ان اللبنانيين يشعرون في هذه الساعات كأنهم يطرقون تلك الأبواب، ويلجون تلك الحقول المفخَّخة.
من الطبيعي، إذاً، أن تتوقّف القمة الروحية ملياً عند هذه النقطة، لتوجِّه بناء على معطياتها تحذيراً مشدّداً الى اللبنانييّن ينهيهم عن التفكُّر في مغامرات التشرذم الداخلي الذي يلتهم كل شيء، وكل ما يمثّله لبنان.
لم يهمل البيان الختامي "الوصايا العشر اللبنانيّة"، والتي تشدِّد دائماً على كل ما يوحِّد الداخل وما يوطّد العلاقات والروابط مع المحيط العربي.
نظر الربُّ فاذا كل شيء حسن.