الحقيقة الصعبة
مال النهار، واقترب المغيب، فيما غنوة مرة تُحاول الإطمئنان على وحيدها الذي تركته مع أقاربها، ومراراً تجول بنظراتها على مداخل ساحة رياض الصلح، متسائلة: «من أين قد يطل اللواء عباس إبراهيم برأسه؟».
حالها كحال الامهات اللواتي يحاولن إخفاء دموعهنّ، إلى أن وصل اللواء إبراهيم عند الساعة 4,45 بعد الظهر، شاحب اللون، ووجهه خال من أي تعبير. وصل ضمن موكب متواضع، من دون أي زمور أو حركة لافتة، وما إن وصل حتى غصّت الخيمة بالصحافيين والامنيين.
بداية، حاول اللواء التحدث إلى حسين يوسف نظراً لتعذّر الاستماع وسط ضجيج الحاضرين، ولكن بعد جهد جهيد تحدث الى الاهالي قائلاً: «كرامة الارض والوطن تستدعي أحياناً أن نقدّم أرواحنا ودماءنا فداء الوطن».
ولفت الى أنه «في الوقت الذي وصلتُ الى هنا، كان الجيش اللبناني والامن العام ينتشلون رفات نعتقد شِبه جازمين أنها للعسكريين، ولكن لا يمكننا أن نثبت ذلك إلى حين صدور الفحوص العلمية الـ DNA».
وأضاف: «إلى حين وصولي إلى هنا كنّا قد استخرجنا رفات 6 اشخاص يعتقد انهم الجنود لأنهم يلبسون رناجر عسكرية، والعمل مستمر، ونتوقع ان يتصاعد العدد الى ثمانية كما أفادت عصابات داعش المجرمة».
وتوجّه إلى الاهالي قائلاً: «أشدّ على أيدي اهالي العسكريين، كنت اريد ان يقفل هذا الملف كما أقفل الذي قبله، لكنّ خيارنا الاستشهاد، وكانت لدينا معلومات غير مؤكدة منذ أواسط شباط، ولو اننا تحدثنا فيها منذ ذلك الوقت لكان الوَقع أصعب على الاهالي». وذكّر بالجثث «التي عثر عليها في الشتاء في منطقة معلولا، واستغرق فحص الـ دي.ان.اي وقتها 3 اسابيع»، متمنياً «ألّا يستغرق الفحص الوقت ذاته الآن».
وتحدث إبراهيم عن شروط «داعش» لوقف إطلاق النار والتي رفضها «إلّا باتفاق شامل بنده الاول الكشف عن مصير العسكريين»، وأكد انّ «قيادة «داعش» تحت ضربات الجيش اللبناني انتقلت الى داخل الاراضي السورية، وتولى «حزب الله» والدولة السورية التفاوض، ولا تزال هناك بعض الفلول في الاراضي اللبنانية».
امّا بالنسبة الى انتقالهم إلى شمال سوريا، فقال: «هذا الموضوع له علاقة بمسار تفاوضي كبير خلفه دول، والذين استسلموا من «داعش» هم الذين أرشدونا الى مكان وجود رفات الجنود. معركة فجر الجرود لن تنتهي حتى رحيل آخر داعشي»، لافتاً الى «أننا كنّا نبحث على بعد امتار عن المكان الذي وجدنا فيه الرفاة في وادي الدب داخل الاراضي اللبنانية»، نافياً وجود مغارة.
وتوجّه ابراهيم الى أهالي العسكريين بالقول: «باسمي وباسم قائد الجيش الذي تحدثتُ اليه قبل مجيئي الى هنا، أحيّي صمودكم وصبركم، ويجب ان تعتزّوا بأبنائكم لأنها كانت ارادتهم. نحن لا نساوم ولم نساوم، نحن في موقع المنتصر وفرض الشروط، وستسلّم الجثث الى المستشفى العسكري، والعلم سيقطع الشك باليقين من خلال الفحص».
وأشار إلى أنّ هناك اتفاقاً بين «حزب الله» والدولة السورية، وأنه هو، أي اللواء ابراهيم، الطرف الثالث. ورجّح انسحاب «داعش» في اتجاه البادية او دير الزور، نافياً وجود معلومات عن المطرانين بولس اليازجي ويوحنا ابراهيم والمصور الصحافي سمير كساب.
رفات ثمانية أشخاص
ومساء، أعلنت قيادة الجيش أنه «في إطار متابعة العسكريين المخطوفين لدى تنظيم «داعش» الأرهابي تمّ العثور في محلّة وادي الدّب/جرود عرسال على ثمانية رفات لأشخاص، وقد تمّ نقلها الى المستشفى العسكري المركزي لإجراء فحوص DNA والتأكد من هوية أصحابها. وسيُصار الى إصدار بيان فور ورود نتائج الفحوصات».
صفحة مؤلمة طويت، وسؤال يقضّ مضاجع الاهالي: «لماذا التكتّم عن مصير العسكريين لسنوات وتركنا نتعذّب؟». عزاؤهم في كلمات الاخوين رحباني انّ «سالم غفيان مش بردان، نايم عَ تلّه وبيضلّ يصلّي بقلبو الإيمان، ومغطّى بعلم لبنان».