داني حداد
تحتاج لأن تكون عاطلاً عن العمل تماماً لتتابع كامل مجريات الجلسة النيابيّة المخصّصة لإقرار الموازنة، والتي تستمرّ ثلاثة أيّام. ولكنّ مهنة الصحافة تفرض عليك الأمر. هذه واحدة من مساوئ المهنة، وما أكثرها.
ما تابعناه في الأمس، على منبر المجلس النيابي، كان ليُسقط حكومةً ويهزّ بلداً ويُنزل الناس الى الشوارع والساحات. لم تخلُ كلمةٌ قيلت من فضيحة عن هدرٍ وفساد. النائب ياسين جابر، مثلاً، تحدّث بهدوءٍ شديد عن مليارات تُهدر في أكثر من موقع، من الكهرباء الى الاتصالات. النائب حسن فضل الله استخدم لهجةً أعلى واستفاض في خمسين دقيقة حسبتها له ساعة نبيه بري في إعطاء أمثلة عن الفساد في أكثر من إدارة. وسار النائب جورج عدوان على المنوال نفسه، والنائب جميل السيّد شرّح وشرح ووضع أصابعه العشرة على الجراح الكثيرة في جسد هذه الجمهوريّة.
نوّاب يلقون كلماتهم، مباشرةً على الهواء، فيعرّون هذه الدولة ويكشفون عوراتها الكثيرة، بينما نجلس على كراسينا نصغي إليهم وبالكاد نهزّ برؤوسنا تعجّباً أو اعتراضاً. الفساد يحضر في كلّ مكان، وهو من صنيعة زعماءٍ وأحزابٍ ينتمي إليها معظم النوّاب المتحدّثين. وهو فساد بالمليارات، بينما الإدارات مهترئة والخزينة شبه فارغة والكثير من الناس في جوعٍ وقلّة.
لذا، فإنّ ما قيل وصدمنا على منبر مجلس النواب سيكون على طريقة كلام الليل الذي يمحوه النهار ولن يغيّر في سلوك أهل القرار السياسي وأتباعهم الذين سيواصلون فسادهم، كي لا نقول سرقاتهم، وحين سيكون بإمكانهم لن يقصّروا في التوظيف السياسي العشوائي، ولن يتردّدوا في استخدام مواقعهم لغاياتٍ شخصيّة، ولا في استغلال نفوذهم لعقد صفقات والفوز بتلزيمات وحماية مخالفين.
صحيحٌ أنّ بعض النواب أظهروا الدولة عاريةً في الأمس، وحصل الأمر مباشرةً على الهواء. لم يكن في الأمر، حتى مع العريّ، ما يثير شهوةً بل قرفاً.