رماح هاشم
نداء الوطن
يعود البحث في تصحيح الحد الأدنى للأجور إلى صلب المعادلة الاقتصادية اللبنانية، مع تداول أرقام تتراوح بين 1000 و1200 دولار، في محاولة لردم الفجوة الكبيرة التي أحدثتها الأزمة النقدية وتراجع القيمة الحقيقية للرواتب. إلا أن تحديد مستوى الأجور لا ينفصل عن قدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة وتمويل كلفة العمل، ولا عن إنتاجية المؤسسات وهوامشها التشغيلية وحجم الطلب في السوق، ما يجعل أي زيادة واسعة النطاق أمام اختبار القدرة الفعلية للاقتصاد على تحمّلها.
الانتقال من حد أدنى يقارب 312 دولارًا إلى 1000 أو 1200 دولار لا يُمثل مجرد تصحيح للأجور، بل قفزة كبيرة في كلفة العمالة تفرض تداعياتها على بنية سوق العمل وربحية المؤسسات والتوظيف والأسعار. وفي اقتصاد لا يزال يعاني ضعف الإنتاجية وتعثّر التمويل المصرفي واتساع الاقتصاد غير الرسمي، يصبح التحدي الأساسي في تحقيق توازن بين استعادة القدرة الشرائية من جهة، والحفاظ على استمرارية المؤسسات وفرص العمل من جهة أخرى. من هنا، يطرح هذا المستوى من الأجور سؤالا اقتصاديًا يتجاوز حجمه الاسمي: هل يستطيع الاقتصاد اللبناني إنتاج الدخل الذي يمكّن المؤسسات من دفعه بصورة مستدامة؟
استحالة التبرير الاقتصادي
يوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية د. جاسم عجاقة، لـ "نداء الوطن"، أن "تطبيق سياسة عامة تفرض حدًا أدنى قانونيًا موحدًا للأجور يتراوح بين 1000 و1200 دولار اليوم هو أمر يستحيل تبريره اقتصاديًا، ومع ذلك، فإن تأثيره يعتمد بشكل كبير على القطاع المعني. بالنظر إلى الحد الأدنى الحالي للأجور البالغ حوالي 312 دولارًا (أو 28 مليون ليرة لبنانية)، فإن رفع الأجر إلى النطاق المذكور يمثل زيادة اسمية تتراوح بين 200 % و280 %. ويأتي هذا في ظل النمو البطيء الحالي لـ "إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية" (TFP) ، مشيرًا إلى أن "استمرار تجميد القروض المصرفية لا يؤدي إلا إلى زيادة الضغوط على سيولة الشركات وهوامشها التشغيلية في حال فُرضت هذه الزيادة بشكل شامل".
يُضيف: "أيضًا في بعض مجالات القطاع الخاص، وتحديدًا الصناعات الموجهة للتصدير، وقطاع التكنولوجيا، والخدمات ذات القيمة العالية، من الشائع دفع أجور بالدولار تفوق هذا النطاق أو تقاربه. ومع ذلك، فإن اعتماد هيكل الأجور هذا كحد أدنى عام للاقتصاد بأكمله بما في ذلك الوظائف في القطاع العام والخدمات غير القابلة للتجارة الدولية، لا يتناسب مع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الحالي والإنتاجية الإجمالية للاقتصاد".
آثار مُحتملة
في حال إقرار حدّ أدنى بهذا المستوى (أي زيادة اسمية تتراوح بين 200 % و280 %)، يتوقع عجاقة أن "تترتب على هذه الخطوة تداعيات متشعبة تطال المؤسسات وسوق العمل والأسعار، فضلاً عن انعكاساتها على القوة الشرائية، وذلك على النحو الآتي:
أولا: ستلجأ العديد من الشركات إلى توظيف عمالة غير مُصّرح عنها لتجنّب دفع التكاليف القانونية للرواتب ومساهمات الضمان الاجتماعي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ومن شأن ممارسات كهذه أن تزيد من حجم الاقتصاد غير الرسمي وتُضعف أكثر مستويات الحماية المتاحة للعمال في القطاع الرسمي.
ثانيًا: سيواجه معظم أصحاب العمل بالفعل هوامش ربح ضيقة للغاية أو طلبًا غير مرن على منتجاتهم. ونتيجة لذلك، من المرجّح أن يلجأ الكثير منهم إلى تقليص حجم أعمالهم أو إغلاقها، مما يحوّل أي زيادات اسمية في الأجور إلى فقدان دائم للوظائف بالنسبة للعمال الأكثر ضعفاً.
ثالثًا: إن وجود قوة سوقية، إلى جانب انخفاض الأجور المدفوعة حاليًا للوظائف، لا يعكس فقط إنتاجية العمال المعنيين، بل يعكس أيضاً وجود قوة احتكارية في جانب الطلب يمارسها صاحب العمل. على سبيل المثال، ستمتلك الشركات الكبرى وتلك التي تحقق أرباحًا كبيرة هوامش مالية كافية لاستيعاب تكاليف العمالة المرتفعة نسبياً دون الحاجة إلى الإغلاق.
رابعًا: ستؤدي زيادة تكاليف العمالة إلى ارتفاع تضخمي مباشر في أسعار السلع والخدمات غير القابلة للتداول مثل قطاعات الضيافة والصيانة والخدمات الشخصية.
خامسًا: نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الواردات، فإن أسعار السلع المستوردة ترتبط بأسعار السلع الأساسية والأسواق الدولية بدلاً من تكاليف مدخلات العمالة المحلية. وبالتالي، قد لا تتحقق توقعات حدوث دوامة تضخمية تقليدية (من الأجور إلى الأسعار) في جميع مكونات الاقتصاد.
سادسًا: تُظهر الأسر ذات الدخل المنخفض ميلا جديًا للاستهلاك يقترب من واحد. ولذلك، فإن زيادات الأجور ستترجم فورًا إلى إنفاق استهلاكي محلي وزيادة في إيرادات المبيعات لتجار التجزئة ومقدمي الخدمات المحليين (تأثير الحجم).
سابعًا: يعتمد مدى تحول زيادات الأجور إلى قوة شرائية حقيقية على عدم حدوث زيادة كبيرة في عمليات تسريح العمالة أو ارتفاعات تضخمية مصطنعة في الأسعار. وفي غياب إصلاحات هيكلية لزيادة الإنتاجية وإعادة هيكلية القطاع المصرفي، فإن فرض حد أدنى للأجور بهذا الحدّ قد يؤدي إلى توسّع الاقتصاد غير الرسمي وفقدان كبير للوظائف المصرّح عنها.
يبقى تصحيح الأجور حاجة اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، لكن استدامته تتطلب ربط مستوى الحد الأدنى للأجور بقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتمويل، وبالفوارق بين القطاعات والمؤسسات. فالمعادلة لا تقوم على رفع الأجر الاسمي فحسب، بل على ضمان أن يتحول هذا الرفع إلى دخل حقيقي مستدام من دون أن يدفع المؤسسات إلى تقليص أعمالها أو العمال إلى الاقتصاد غير الرسمي. ومن هنا، فإن أي تصحيح فعّال للأجور يحتاج إلى مسار متوازٍ يبدأ بتحسين الإنتاجية وتسهيل التمويل وإعادة تنشيط الاقتصاد، بما يجعل زيادة الرواتب نتيجة لنمو اقتصادي قابل للاستمرار، لا عبئًا إضافيًا على اقتصاد هش.
الانتقال من حد أدنى يقارب 312 دولارًا إلى 1000 أو 1200 دولار لا يُمثل مجرد تصحيح للأجور، بل قفزة كبيرة في كلفة العمالة تفرض تداعياتها على بنية سوق العمل وربحية المؤسسات والتوظيف والأسعار. وفي اقتصاد لا يزال يعاني ضعف الإنتاجية وتعثّر التمويل المصرفي واتساع الاقتصاد غير الرسمي، يصبح التحدي الأساسي في تحقيق توازن بين استعادة القدرة الشرائية من جهة، والحفاظ على استمرارية المؤسسات وفرص العمل من جهة أخرى. من هنا، يطرح هذا المستوى من الأجور سؤالا اقتصاديًا يتجاوز حجمه الاسمي: هل يستطيع الاقتصاد اللبناني إنتاج الدخل الذي يمكّن المؤسسات من دفعه بصورة مستدامة؟
استحالة التبرير الاقتصادي
يوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية د. جاسم عجاقة، لـ "نداء الوطن"، أن "تطبيق سياسة عامة تفرض حدًا أدنى قانونيًا موحدًا للأجور يتراوح بين 1000 و1200 دولار اليوم هو أمر يستحيل تبريره اقتصاديًا، ومع ذلك، فإن تأثيره يعتمد بشكل كبير على القطاع المعني. بالنظر إلى الحد الأدنى الحالي للأجور البالغ حوالي 312 دولارًا (أو 28 مليون ليرة لبنانية)، فإن رفع الأجر إلى النطاق المذكور يمثل زيادة اسمية تتراوح بين 200 % و280 %. ويأتي هذا في ظل النمو البطيء الحالي لـ "إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية" (TFP) ، مشيرًا إلى أن "استمرار تجميد القروض المصرفية لا يؤدي إلا إلى زيادة الضغوط على سيولة الشركات وهوامشها التشغيلية في حال فُرضت هذه الزيادة بشكل شامل".
يُضيف: "أيضًا في بعض مجالات القطاع الخاص، وتحديدًا الصناعات الموجهة للتصدير، وقطاع التكنولوجيا، والخدمات ذات القيمة العالية، من الشائع دفع أجور بالدولار تفوق هذا النطاق أو تقاربه. ومع ذلك، فإن اعتماد هيكل الأجور هذا كحد أدنى عام للاقتصاد بأكمله بما في ذلك الوظائف في القطاع العام والخدمات غير القابلة للتجارة الدولية، لا يتناسب مع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الحالي والإنتاجية الإجمالية للاقتصاد".
آثار مُحتملة
في حال إقرار حدّ أدنى بهذا المستوى (أي زيادة اسمية تتراوح بين 200 % و280 %)، يتوقع عجاقة أن "تترتب على هذه الخطوة تداعيات متشعبة تطال المؤسسات وسوق العمل والأسعار، فضلاً عن انعكاساتها على القوة الشرائية، وذلك على النحو الآتي:
أولا: ستلجأ العديد من الشركات إلى توظيف عمالة غير مُصّرح عنها لتجنّب دفع التكاليف القانونية للرواتب ومساهمات الضمان الاجتماعي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ومن شأن ممارسات كهذه أن تزيد من حجم الاقتصاد غير الرسمي وتُضعف أكثر مستويات الحماية المتاحة للعمال في القطاع الرسمي.
ثانيًا: سيواجه معظم أصحاب العمل بالفعل هوامش ربح ضيقة للغاية أو طلبًا غير مرن على منتجاتهم. ونتيجة لذلك، من المرجّح أن يلجأ الكثير منهم إلى تقليص حجم أعمالهم أو إغلاقها، مما يحوّل أي زيادات اسمية في الأجور إلى فقدان دائم للوظائف بالنسبة للعمال الأكثر ضعفاً.
ثالثًا: إن وجود قوة سوقية، إلى جانب انخفاض الأجور المدفوعة حاليًا للوظائف، لا يعكس فقط إنتاجية العمال المعنيين، بل يعكس أيضاً وجود قوة احتكارية في جانب الطلب يمارسها صاحب العمل. على سبيل المثال، ستمتلك الشركات الكبرى وتلك التي تحقق أرباحًا كبيرة هوامش مالية كافية لاستيعاب تكاليف العمالة المرتفعة نسبياً دون الحاجة إلى الإغلاق.
رابعًا: ستؤدي زيادة تكاليف العمالة إلى ارتفاع تضخمي مباشر في أسعار السلع والخدمات غير القابلة للتداول مثل قطاعات الضيافة والصيانة والخدمات الشخصية.
خامسًا: نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الواردات، فإن أسعار السلع المستوردة ترتبط بأسعار السلع الأساسية والأسواق الدولية بدلاً من تكاليف مدخلات العمالة المحلية. وبالتالي، قد لا تتحقق توقعات حدوث دوامة تضخمية تقليدية (من الأجور إلى الأسعار) في جميع مكونات الاقتصاد.
سادسًا: تُظهر الأسر ذات الدخل المنخفض ميلا جديًا للاستهلاك يقترب من واحد. ولذلك، فإن زيادات الأجور ستترجم فورًا إلى إنفاق استهلاكي محلي وزيادة في إيرادات المبيعات لتجار التجزئة ومقدمي الخدمات المحليين (تأثير الحجم).
سابعًا: يعتمد مدى تحول زيادات الأجور إلى قوة شرائية حقيقية على عدم حدوث زيادة كبيرة في عمليات تسريح العمالة أو ارتفاعات تضخمية مصطنعة في الأسعار. وفي غياب إصلاحات هيكلية لزيادة الإنتاجية وإعادة هيكلية القطاع المصرفي، فإن فرض حد أدنى للأجور بهذا الحدّ قد يؤدي إلى توسّع الاقتصاد غير الرسمي وفقدان كبير للوظائف المصرّح عنها.
يبقى تصحيح الأجور حاجة اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، لكن استدامته تتطلب ربط مستوى الحد الأدنى للأجور بقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتمويل، وبالفوارق بين القطاعات والمؤسسات. فالمعادلة لا تقوم على رفع الأجر الاسمي فحسب، بل على ضمان أن يتحول هذا الرفع إلى دخل حقيقي مستدام من دون أن يدفع المؤسسات إلى تقليص أعمالها أو العمال إلى الاقتصاد غير الرسمي. ومن هنا، فإن أي تصحيح فعّال للأجور يحتاج إلى مسار متوازٍ يبدأ بتحسين الإنتاجية وتسهيل التمويل وإعادة تنشيط الاقتصاد، بما يجعل زيادة الرواتب نتيجة لنمو اقتصادي قابل للاستمرار، لا عبئًا إضافيًا على اقتصاد هش.