فيما العالم «يربط الأحزمةَ» بإزاء أزمةِ الطاقة الناتجة من حرب إيران، وأوروبا تفعّل «خططَ طوارئ» للتكيّف مع مرحلةٍ طويلة من الضغوط على القطاعات الحيوية، وبعضها ينفض الغبارَ عن «كتاب الحرب» ويرفع تباعاً «الاستعدادَ النفسي» لها ربْطاً بازدياد مخاطر تشَظّي جبهة أوكرانيا وبأشكال «غير تقليدية»، تبدو بيروت التي تقف في فوهة البركان الإقليمي المتفجّر منذ أكتوبر 2023 وكأنّها «تدفن الرأس» في رمالٍ متحرّكةٍ تُعاند بصعوبةٍ أن تبتلعها من الميدان العسكري مع إسرائيل الذي يتحكّم به «حزب الله»، في الوقت الذي تشدّها بقوةٍ إلى القعر معركةُ المضائق وخطوط الإمداد التي زادت من هشاشة خاصرتها الرخوة المعيشية والاقتصادية.
وفي حين لم يَعُد الأوروبيون يتفاجأون بأن «تهبط عليهم» عملياتُ محاكاةٍ محورها الملاجئ وإرشاداتُ تخزينِ والوصول إلى الحاجات الأساسية، و«رسوم تشبيهية» لواقع الحال إذا امتدّت حربُ إيران وارتداداتها المتنقّلة التي تكاد أن تحوّل الاقتصاد العالمي «طنجرة ضغط» بعدما وُضع في «عنق زجاجة» مضيق هرمز وبدائله التي «تُطارَد» تباعاً، تشي الأرض في لبنان بأنها «تَغْلي» تحت أقدام الجميع بعدما بات الوطن الصغير بين «فكّيْ كماشةِ»:
- الواقع العسكري الذي تضبط إسرائيل سرعتَه كما تشاء ويديره «حزب الله» وفق مقتضياتٍ باتت إيرانية حصراً.
ويسود اعتقادٌ بأنّ امتناع الحزب عن التصدي لتوغلاتِ تل أبيب و«تقنين» استخدام ما بقي من مخزون أسلحته ومسيّراته وصواريخه، ولا سيما الإستراتيجية، يتّصل بأولوية جبهة إيران وإبقائها «احتياطيّاً» لساعة الصفر إذا حَلَّتْ، وبأنّ ضمورَه العسكري لا يعني بطبيعة الحال أنه «انتهى» أو أنه لن يقوم - إذا ضغطت طهران «على الزر» - بالارتداد على الداخل في توقيتٍ ما، أو أنه لن يشكّل «الذراعَ» التي تضمّ البحر المتوسط إلى حلقة النار (كونه الأقرب إليه والذي يملك صواريخ مضادة للسفن)، لو طالتْ لعبةُ «عضّ الأصابع»، علماً أن السيد حسن نصر الله، كان هدّد صيف 2024 بأن «أي مواجهة واسعة النطاق (بين الحزب وإسرائيل) ستشمل استهدافات في المتوسط».
- والوضع المعيشي الذي زاد انحداراً مع الارتفاعات الصاعقة في أسعار المشتقات النفطية وانعكاساتها التضخّمية الكارثية التي يُخشى أن تكون بمثابة «الريشة» فوق جبلٍ من الأعباء الكفيلة بجعْله ينهار وينفجر في وجه الدولة بينما تسعى على المقلب الآخَر إلى احتواء الوضع العسكري عبر مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل الذي وفّر حتى الآن وبضغطٍ أميركي بوليصة أمان لِما يَصفه البعض حالياً بـ «لبنان المُفيد»، وذلك في انتظارِ تَبَلْوُرِ أفق جبهة إيران التي تسترهن ورقةَ سلاح «حزب الله» لـ «مصير» نظامها الذي بات على المحكّ، وهو ما يمنح تل أبيب ذريعةً للتمسك بعدم الانسحاب من جنوب لبنان.
وإذ توقُّفت أوساط مراقبة عند إعلان السفير الأميركي لدى تل أبيب مايك هاكابي، أن الجيش الإسرائيلي سيَبقى في الجنوب «حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً» وان إسرائيل لا تريد ضم متر من أراضي لبنان، وسط التعاطي مع كلامه على أنه صدى للمناخاتِ التي برزت حول ربْط المساعدات للقوات المسلّحة اللبنانية - كانت محور الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعمه الذي عُقد الخميس في باريس - بحصول تقدم فعلي في ملف سحب سلاح «حزب الله»، توجّه رئيس الحكومة نواف سلام، إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء كلمة لبنان ولقاء عدد من قادة الدول قبل أن ينتقل إلى واشنطن حيث سيَجتمع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومسؤولين آخَرين.
حقل الألغام المعيشي... بالأرقام
وفي ضوء هذه الوقائع المعقّدة، لم يكن مُمْكناً إخفاء الخشية المتعاظمة من أن تتضافر العوامل العسكرية والمعيشية لتزجّ لبنان في «مطحنة» خطيرة.
ونبّهت مصادر سياسية من تَرْكِ فجواتٍ، سواء في الإجراءات أو مخاطبة اللبنانيين، يمكن أن تشكّل منافذ لغَضْبَةٍ في الشارع «المضغوط» والذي بدأ يعبّر على الأرض عن تململ من الارتفاعات القياسية في أسعار المحروقات، كما حصل مع سائقي الباصات في طرابلس، اليوم السبت، حيث بلغ سعر الصفيحة 31.5 دولار و«الحبل عالجرار صعوداً»، تماماً كما سعر ربطة الخبز التي سجّلت قبل 4 أيام ارتفاعاً بخمسة آلاف ليرة إلى 95 الفاً.
وقد حذّر رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز ناصر سرور، من أن هذا «أول الغيث»، معتبراً أن «الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات والقمح والطحين وسائر المواد الداخلة في صناعة الرغيف سيؤدي حكماً إلى ارتفاع سعر ربطة الخبز، لأن منصة تسعير الرغيف المتفق عليها مع وزارة الاقتصاد تحتسب كلفة الخبز وفق ارتفاع وانخفاض أسعار المواد الأولية وسعر الصرف»، ومطالباً بـ «دعم حكومي مباشر للرغيف»، مع إقراره بأن «هذا الأمر يبدو حالياً شبه مستحيل في ظل الظروف المالية، ما لم تبادر الدول الصديقة للبنان إلى تقديم هبات من القمح أو الطحين تساعد على تخفيف كلفة الرغيف».
ويَعكس هذا المعطى الوضع الشديد الخطورة الذي يواجهه لبنان الذي مازال في عين «العاصفة الكاملة» التي ضربتْه قبل 7 أعوام، مالياً، مصرفياً، نقدياً، اقتصادياً واجتماعياً مع الانهيار الشامل الذي مازال يتقلب على جمره، من دون أن ينجز بعد كل أرضية الخروج منه على «سلّمٍ» من عدة درجاتٍ، من الإصلاحات المالية والهيكلية إلى آليات استرداد الودائع العالقة في البنوك.
وهذا الواقع يجعل موجات التضخم التي بدأت تجتاح العالم بفعل أزمة الطاقة وإمداداتها، مرشّحة لأن تكون أعتى في لبنان وبتشظياتٍ متعددة البُعد وذلك لاعتباراتٍ تتعلق بدينامية الانهيار «الأصلي» في ذاته وأيضاً بعناصر أخرى أبرزها:
- غياب خطط حمايةٍ أو تكوين مخزون إستراتيجي لدى دولةٍ تقاوم جاذبية السقوط في حفرة مالية أكبر ولا تملك قدرة التدخل لتثبيت الأسعار أو ضبط الأسواق وتواجه في الوقت نفسه «رياحاً معاكسة» هوجاء من جبهة الجنوب عمّقت جِراحَها وتَشي بمزيد من الاستنزاف «المميت» في حال اقتياد البلاد مجدداً إلى «حرب الآخرين» الذين تختزلهم هذه المرة إيران.
انكماش كبير
ولم يكن عابراً اليوم السبت، توقع صندوق النقد الدولي، في ختام زيارة وفد منه لبيروت، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط والتوتر الأمني الأوسع نطاقاً بالمنطقة في الإضرار بالنشاط الاقتصادي والبنية التحتية وظروف المعيشة.
وذكر الصندوق «أن معدلات التضخم لاتزال في خانة العشرات وإن عجز المعاملات الجارية في البلاد زاد، ويرجع ذلك إلى حد كبير لارتفاع تكاليف الطاقة، في حين فاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وحالات النزوح الداخلي، وتدهور مستويات المعيشة من الضغوط الاقتصادية».
- أن التضخّم المتوحّش الذي يتمدّد منذ انفجار الأزمة المالية وأخواتها في 2019 صارَ بمثابةِ جاذبة ارتفاعاتٍ جنونيةٍ على شكل قفْزاتٍ في اتجاه واحد، صعوداً دائماً، في أسعار السلع، وسط «تَحَسُّسٍ» التجار والأسواق لأي زيادات في تسعير المحروقات أو الرسوم واعتمادهم سياسية التحوط للمخاطر بزياداتٍ سبّاقة.
- أن ارتفاع أسعار المحروقات في أي دولة في العالم له تأثيراتُ تضخمية وعلى أكلاف المعيشة، ولكن قياسه في لبنان مختلف بحيث أن زيادة تنعكس إعصاراً من التضخم المحمّل بزيادات مركّبة على الأسعار وهذا مرده إلى أسباب عدة.
فالمحروقات في لبنان ليست مجرد كلفة تنقّل أو رفاهية تشغيل، بل هي الشريان الأحادي والمحرّك الوحيد للاقتصاد ودورة الحياة اليومية في ظل غياب الطاقة البديلة الكافية:
فالزراعة والصناعة والتجارة تعتمد بكامل مراحلها الإنتاجية وسلاسل إمدادها وتخزينها وتوزيعها على مشتقات النفط.
والخدمات الأساسية، من المستشفيات، المصانع، السوبرماركت، وإمدادات المياه تعتمد كلياً على المولدات الخاصة.
أما البيوتات والمنازل فتعتمد في التبريد والتدفئة والإضاءة على «كهرباء مولدات الأحياء» لتعويض العجز الخاضع لتقنين مؤسسة كهرباء لبنان التي بالكاد تؤمن بضع ساعات تغذية يومياً.
هذا واقع يجعل كل زيادة على أسعار البنزين والمازوت تنعكس تضخماً مركّباً مضاعفاً يتسلل آلياً إلى كافة السلع والخدمات قبل أن يصل إلى جيوب المواطنين.
وبحسب أوساط اقتصادية، فإنه في الأزمات العالمية تشكل شبكات النقل العام (من قطارات ومترو وحافلات) حائط الصد الأخير أو«شبكة أمان» للمواطنين لتقليص اعتمادهم على المركبات الخاصة وامتصاص صدمات الوقود. أما في لبنان، فإن الغياب التام لقطاع نقل عام منظّم ومستدام يفرض على المواطنين تحرّكاً إجبارياً بالمركبة الخاصة للوصول إلى مراكز عملهم أو نقل الأولاد إلى المدارس، وهذا يجعل مرونة الطلب على المحروقات شبه معدومة ويحوّل كل زيادة في سعر صفيحة البنزين ضريبة إجبارية ومباشرة على حق المواطن في الحركة والوصول إلى مصدر رزقه ليغدو التوجه إلى العمل كلفةً في ذاته تتآكل معها قيمة الأجر قبل حتى إنفاقه.
وبلغة الأرقام وعند إسقاط سعر صفيحة البنزين الحالي الذي يحوم حول 31.5 دولار على الواقع الأجري، تظهر عمق الفجوة المعيشية التي تزنّر العائلات اللبنانية. فالحدّ الأدنى الرسمي للأجور يبلغ 28 مليون ليرة لبنانية (نحو 312 دولاراً)، وهذا يعني أنه لا يشتري سوى 10 صفائح بنزين فقط.
علماً أن الاتحاد العمالي العام كان أعلن أخيراً أنه في ضوء غلاء المعيشة والأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يمرّ بها لبنان فإن الحد الأدنى المطلوب لعائلة مؤلفة من أربعة أشخاص يلامس 1200 دولار شهرياً.
وكما قال سرور، فإن ارتفاع أسعار المحروقات يتسلل مباشرة إلى الأمن الغذائي ورغيف الخبز الذي يرتبط كلياً بالمازوت ونقل الطحين وتشغيل المطاحن والأفران.
وبحسابات بسيطة، وعلى سعر ربطة خبز للمستهلك بنحو 95000 ليرة (1.06 دولار)، وباحتياج عائلة متوسطة مكونة من 4 أفراد إلى ربطتين يومياً، تصل الفاتورة الشهرية للخبز وحده إلى نحو 5.7 مليون ليرة (63.6 دولار) أي أن فاتورة الخبز المجرَّدة تلتهم وحدها أكثر من خمس الحد الأدنى للأجور (20 في المئة). وهذا يعني أن العامل يخصص نتاج عمل 6 أيام كاملة في الشهر لمجرّد شراء الخبز الجاف لعائلته، ما يجعل أي زيادة إضافية على أسعار المحروقات بمثابة سحباً مباشراً للرغيف من أيدي الفئات الأشد هشاشة وسحقاً أقسى لما تبقى من قدرتها على الصمود.
«قنبلة موقوتة»
من هنا، وفي ظلّ واقعٍ بالغِ التعقيد في «مسرح العمليات» العسكري، الداخلي كما الإقليمي - الدولي، تزداد «العين الحمراء» الخارجية على لبنان كلّما وسّعت إيران وأذرعها ميدان النار في المنطقة، بفعل استمرار معاندة حزب الله لسحب سلاحه وتعاطي الدولة مع هذا الملف على قاعدة قراراتٍ مُهمّة اتخذتْها ولكنها تربط تنفيذها بـ «عدم استجرار صِدام داخلي».
وفي الوقت نفسه، تتعمّق المخاوف من أن تتحول الضغوط المعيشية المتراكمة «قنبلة موقوتة» تفجّر الشارع بوجه الحكومة نتيجة انعدام أي هوامش لدى الطبقات الفقيرة والوسطى لامتصاص ضربات تضخمية جديدة خارجة عن سيطرتها، وسط خشية من استثمار أي تحركات مطلبية سياسياً ربْطاً بالعنوان الأكبر المتّصل بحصر السلاح بيد الدولة ومسار المفاوضات مع إسرائيل، خصوصاً بعدما كان الحزب دعا لـ «اختزان الغضب» في انتظار اللحظة المناسبة.
وفي حين لم يَعُد الأوروبيون يتفاجأون بأن «تهبط عليهم» عملياتُ محاكاةٍ محورها الملاجئ وإرشاداتُ تخزينِ والوصول إلى الحاجات الأساسية، و«رسوم تشبيهية» لواقع الحال إذا امتدّت حربُ إيران وارتداداتها المتنقّلة التي تكاد أن تحوّل الاقتصاد العالمي «طنجرة ضغط» بعدما وُضع في «عنق زجاجة» مضيق هرمز وبدائله التي «تُطارَد» تباعاً، تشي الأرض في لبنان بأنها «تَغْلي» تحت أقدام الجميع بعدما بات الوطن الصغير بين «فكّيْ كماشةِ»:
- الواقع العسكري الذي تضبط إسرائيل سرعتَه كما تشاء ويديره «حزب الله» وفق مقتضياتٍ باتت إيرانية حصراً.
ويسود اعتقادٌ بأنّ امتناع الحزب عن التصدي لتوغلاتِ تل أبيب و«تقنين» استخدام ما بقي من مخزون أسلحته ومسيّراته وصواريخه، ولا سيما الإستراتيجية، يتّصل بأولوية جبهة إيران وإبقائها «احتياطيّاً» لساعة الصفر إذا حَلَّتْ، وبأنّ ضمورَه العسكري لا يعني بطبيعة الحال أنه «انتهى» أو أنه لن يقوم - إذا ضغطت طهران «على الزر» - بالارتداد على الداخل في توقيتٍ ما، أو أنه لن يشكّل «الذراعَ» التي تضمّ البحر المتوسط إلى حلقة النار (كونه الأقرب إليه والذي يملك صواريخ مضادة للسفن)، لو طالتْ لعبةُ «عضّ الأصابع»، علماً أن السيد حسن نصر الله، كان هدّد صيف 2024 بأن «أي مواجهة واسعة النطاق (بين الحزب وإسرائيل) ستشمل استهدافات في المتوسط».
- والوضع المعيشي الذي زاد انحداراً مع الارتفاعات الصاعقة في أسعار المشتقات النفطية وانعكاساتها التضخّمية الكارثية التي يُخشى أن تكون بمثابة «الريشة» فوق جبلٍ من الأعباء الكفيلة بجعْله ينهار وينفجر في وجه الدولة بينما تسعى على المقلب الآخَر إلى احتواء الوضع العسكري عبر مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل الذي وفّر حتى الآن وبضغطٍ أميركي بوليصة أمان لِما يَصفه البعض حالياً بـ «لبنان المُفيد»، وذلك في انتظارِ تَبَلْوُرِ أفق جبهة إيران التي تسترهن ورقةَ سلاح «حزب الله» لـ «مصير» نظامها الذي بات على المحكّ، وهو ما يمنح تل أبيب ذريعةً للتمسك بعدم الانسحاب من جنوب لبنان.
وإذ توقُّفت أوساط مراقبة عند إعلان السفير الأميركي لدى تل أبيب مايك هاكابي، أن الجيش الإسرائيلي سيَبقى في الجنوب «حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً» وان إسرائيل لا تريد ضم متر من أراضي لبنان، وسط التعاطي مع كلامه على أنه صدى للمناخاتِ التي برزت حول ربْط المساعدات للقوات المسلّحة اللبنانية - كانت محور الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعمه الذي عُقد الخميس في باريس - بحصول تقدم فعلي في ملف سحب سلاح «حزب الله»، توجّه رئيس الحكومة نواف سلام، إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء كلمة لبنان ولقاء عدد من قادة الدول قبل أن ينتقل إلى واشنطن حيث سيَجتمع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومسؤولين آخَرين.
حقل الألغام المعيشي... بالأرقام
وفي ضوء هذه الوقائع المعقّدة، لم يكن مُمْكناً إخفاء الخشية المتعاظمة من أن تتضافر العوامل العسكرية والمعيشية لتزجّ لبنان في «مطحنة» خطيرة.
ونبّهت مصادر سياسية من تَرْكِ فجواتٍ، سواء في الإجراءات أو مخاطبة اللبنانيين، يمكن أن تشكّل منافذ لغَضْبَةٍ في الشارع «المضغوط» والذي بدأ يعبّر على الأرض عن تململ من الارتفاعات القياسية في أسعار المحروقات، كما حصل مع سائقي الباصات في طرابلس، اليوم السبت، حيث بلغ سعر الصفيحة 31.5 دولار و«الحبل عالجرار صعوداً»، تماماً كما سعر ربطة الخبز التي سجّلت قبل 4 أيام ارتفاعاً بخمسة آلاف ليرة إلى 95 الفاً.
وقد حذّر رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز ناصر سرور، من أن هذا «أول الغيث»، معتبراً أن «الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات والقمح والطحين وسائر المواد الداخلة في صناعة الرغيف سيؤدي حكماً إلى ارتفاع سعر ربطة الخبز، لأن منصة تسعير الرغيف المتفق عليها مع وزارة الاقتصاد تحتسب كلفة الخبز وفق ارتفاع وانخفاض أسعار المواد الأولية وسعر الصرف»، ومطالباً بـ «دعم حكومي مباشر للرغيف»، مع إقراره بأن «هذا الأمر يبدو حالياً شبه مستحيل في ظل الظروف المالية، ما لم تبادر الدول الصديقة للبنان إلى تقديم هبات من القمح أو الطحين تساعد على تخفيف كلفة الرغيف».
ويَعكس هذا المعطى الوضع الشديد الخطورة الذي يواجهه لبنان الذي مازال في عين «العاصفة الكاملة» التي ضربتْه قبل 7 أعوام، مالياً، مصرفياً، نقدياً، اقتصادياً واجتماعياً مع الانهيار الشامل الذي مازال يتقلب على جمره، من دون أن ينجز بعد كل أرضية الخروج منه على «سلّمٍ» من عدة درجاتٍ، من الإصلاحات المالية والهيكلية إلى آليات استرداد الودائع العالقة في البنوك.
وهذا الواقع يجعل موجات التضخم التي بدأت تجتاح العالم بفعل أزمة الطاقة وإمداداتها، مرشّحة لأن تكون أعتى في لبنان وبتشظياتٍ متعددة البُعد وذلك لاعتباراتٍ تتعلق بدينامية الانهيار «الأصلي» في ذاته وأيضاً بعناصر أخرى أبرزها:
- غياب خطط حمايةٍ أو تكوين مخزون إستراتيجي لدى دولةٍ تقاوم جاذبية السقوط في حفرة مالية أكبر ولا تملك قدرة التدخل لتثبيت الأسعار أو ضبط الأسواق وتواجه في الوقت نفسه «رياحاً معاكسة» هوجاء من جبهة الجنوب عمّقت جِراحَها وتَشي بمزيد من الاستنزاف «المميت» في حال اقتياد البلاد مجدداً إلى «حرب الآخرين» الذين تختزلهم هذه المرة إيران.
انكماش كبير
ولم يكن عابراً اليوم السبت، توقع صندوق النقد الدولي، في ختام زيارة وفد منه لبيروت، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط والتوتر الأمني الأوسع نطاقاً بالمنطقة في الإضرار بالنشاط الاقتصادي والبنية التحتية وظروف المعيشة.
وذكر الصندوق «أن معدلات التضخم لاتزال في خانة العشرات وإن عجز المعاملات الجارية في البلاد زاد، ويرجع ذلك إلى حد كبير لارتفاع تكاليف الطاقة، في حين فاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وحالات النزوح الداخلي، وتدهور مستويات المعيشة من الضغوط الاقتصادية».
- أن التضخّم المتوحّش الذي يتمدّد منذ انفجار الأزمة المالية وأخواتها في 2019 صارَ بمثابةِ جاذبة ارتفاعاتٍ جنونيةٍ على شكل قفْزاتٍ في اتجاه واحد، صعوداً دائماً، في أسعار السلع، وسط «تَحَسُّسٍ» التجار والأسواق لأي زيادات في تسعير المحروقات أو الرسوم واعتمادهم سياسية التحوط للمخاطر بزياداتٍ سبّاقة.
- أن ارتفاع أسعار المحروقات في أي دولة في العالم له تأثيراتُ تضخمية وعلى أكلاف المعيشة، ولكن قياسه في لبنان مختلف بحيث أن زيادة تنعكس إعصاراً من التضخم المحمّل بزيادات مركّبة على الأسعار وهذا مرده إلى أسباب عدة.
فالمحروقات في لبنان ليست مجرد كلفة تنقّل أو رفاهية تشغيل، بل هي الشريان الأحادي والمحرّك الوحيد للاقتصاد ودورة الحياة اليومية في ظل غياب الطاقة البديلة الكافية:
فالزراعة والصناعة والتجارة تعتمد بكامل مراحلها الإنتاجية وسلاسل إمدادها وتخزينها وتوزيعها على مشتقات النفط.
والخدمات الأساسية، من المستشفيات، المصانع، السوبرماركت، وإمدادات المياه تعتمد كلياً على المولدات الخاصة.
أما البيوتات والمنازل فتعتمد في التبريد والتدفئة والإضاءة على «كهرباء مولدات الأحياء» لتعويض العجز الخاضع لتقنين مؤسسة كهرباء لبنان التي بالكاد تؤمن بضع ساعات تغذية يومياً.
هذا واقع يجعل كل زيادة على أسعار البنزين والمازوت تنعكس تضخماً مركّباً مضاعفاً يتسلل آلياً إلى كافة السلع والخدمات قبل أن يصل إلى جيوب المواطنين.
وبحسب أوساط اقتصادية، فإنه في الأزمات العالمية تشكل شبكات النقل العام (من قطارات ومترو وحافلات) حائط الصد الأخير أو«شبكة أمان» للمواطنين لتقليص اعتمادهم على المركبات الخاصة وامتصاص صدمات الوقود. أما في لبنان، فإن الغياب التام لقطاع نقل عام منظّم ومستدام يفرض على المواطنين تحرّكاً إجبارياً بالمركبة الخاصة للوصول إلى مراكز عملهم أو نقل الأولاد إلى المدارس، وهذا يجعل مرونة الطلب على المحروقات شبه معدومة ويحوّل كل زيادة في سعر صفيحة البنزين ضريبة إجبارية ومباشرة على حق المواطن في الحركة والوصول إلى مصدر رزقه ليغدو التوجه إلى العمل كلفةً في ذاته تتآكل معها قيمة الأجر قبل حتى إنفاقه.
وبلغة الأرقام وعند إسقاط سعر صفيحة البنزين الحالي الذي يحوم حول 31.5 دولار على الواقع الأجري، تظهر عمق الفجوة المعيشية التي تزنّر العائلات اللبنانية. فالحدّ الأدنى الرسمي للأجور يبلغ 28 مليون ليرة لبنانية (نحو 312 دولاراً)، وهذا يعني أنه لا يشتري سوى 10 صفائح بنزين فقط.
علماً أن الاتحاد العمالي العام كان أعلن أخيراً أنه في ضوء غلاء المعيشة والأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يمرّ بها لبنان فإن الحد الأدنى المطلوب لعائلة مؤلفة من أربعة أشخاص يلامس 1200 دولار شهرياً.
وكما قال سرور، فإن ارتفاع أسعار المحروقات يتسلل مباشرة إلى الأمن الغذائي ورغيف الخبز الذي يرتبط كلياً بالمازوت ونقل الطحين وتشغيل المطاحن والأفران.
وبحسابات بسيطة، وعلى سعر ربطة خبز للمستهلك بنحو 95000 ليرة (1.06 دولار)، وباحتياج عائلة متوسطة مكونة من 4 أفراد إلى ربطتين يومياً، تصل الفاتورة الشهرية للخبز وحده إلى نحو 5.7 مليون ليرة (63.6 دولار) أي أن فاتورة الخبز المجرَّدة تلتهم وحدها أكثر من خمس الحد الأدنى للأجور (20 في المئة). وهذا يعني أن العامل يخصص نتاج عمل 6 أيام كاملة في الشهر لمجرّد شراء الخبز الجاف لعائلته، ما يجعل أي زيادة إضافية على أسعار المحروقات بمثابة سحباً مباشراً للرغيف من أيدي الفئات الأشد هشاشة وسحقاً أقسى لما تبقى من قدرتها على الصمود.
«قنبلة موقوتة»
من هنا، وفي ظلّ واقعٍ بالغِ التعقيد في «مسرح العمليات» العسكري، الداخلي كما الإقليمي - الدولي، تزداد «العين الحمراء» الخارجية على لبنان كلّما وسّعت إيران وأذرعها ميدان النار في المنطقة، بفعل استمرار معاندة حزب الله لسحب سلاحه وتعاطي الدولة مع هذا الملف على قاعدة قراراتٍ مُهمّة اتخذتْها ولكنها تربط تنفيذها بـ «عدم استجرار صِدام داخلي».
وفي الوقت نفسه، تتعمّق المخاوف من أن تتحول الضغوط المعيشية المتراكمة «قنبلة موقوتة» تفجّر الشارع بوجه الحكومة نتيجة انعدام أي هوامش لدى الطبقات الفقيرة والوسطى لامتصاص ضربات تضخمية جديدة خارجة عن سيطرتها، وسط خشية من استثمار أي تحركات مطلبية سياسياً ربْطاً بالعنوان الأكبر المتّصل بحصر السلاح بيد الدولة ومسار المفاوضات مع إسرائيل، خصوصاً بعدما كان الحزب دعا لـ «اختزان الغضب» في انتظار اللحظة المناسبة.