في الشرق الأوسط، لا تُقاس الاتفاقات دائماً بما يُقال فيها، بل بما يُترك عمداً خارجها، ومن هنا، لا يمكن التعامل مع وقف إطلاق النار لأسبوعين بين واشنطن وطهران على أنه مجرد خطوة تهدئة عابرة، بل بوصفه نموذجاً واضحاً لما يُعرف في السياسة الدولية بـ“الغموض البنّاء”؛ أي ذلك النوع من التفاهمات الذي يُترك فيه قدر مقصود من الالتباس، لا بسبب العجز فقط، بل لأن الوضوح الكامل في لحظة التوتر القصوى قد يكون مستحيلاً، أو حتى مضرّاً بإمكان ولادة التهدئة نفسها.
فالمنطقة لا تعيش أزمة قابلة للاحتواء ببيان سياسي أو اتصال دبلوماسي عابر، بل تقف على حافة اشتباك مفتوح على احتمالات كبرى، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، وتتشابك فيه الرسائل الميدانية مع المفاوضات غير المعلنة. ومن هنا، تبدو هدنة الأسبوعين أقرب إلى إدارة دقيقة للحافة منها إلى اتفاق حاسم، وأقرب إلى وقف اندفاعة منها إلى إنهاء مواجهة.
في هذا السياق، لا يعود الغموض مجرد نقص في التفاصيل، بل يتحول إلى أداة سياسية مقصودة.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى أن تقول إنها لم تتراجع، وإنها فرضت الردع ونجحت في كبح التصعيد الإيراني أو على الأقل وقفه مؤقتاً. وفي المقابل، تحتاج طهران إلى أن تظهر أمام جمهورها وحلفائها أنها لم تُهزم، ولم تدخل في التهدئة من موقع الانكسار، بل من موقع المناورة والصمود. وبين هذين السردين المتناقضين، يصبح الاتفاق الواضح أمراً بالغ الصعوبة، لأن الوضوح قد يفضح حجم التنازل الذي لا يستطيع أي طرف تحمّل كلفته السياسية.
وهنا بالتحديد تنشأ وظيفة الغموض البنّاء.هو ليس اتفاقاً يحلّ الخلاف، بل صيغة تسمح بتجميد الانفجار من دون حسم أسبابه،أي أنه يفتح مساحة مؤقتة يستطيع فيها كل طرف أن يفسر الهدنة بما يناسبه، وأن يمرّرها داخلياً من دون أن يتحمل كلفة الاعتراف بالتراجع أو الخسارة. وهذا ما يجعل مثل هذه التفاهمات قابلة للحياة في اللحظات التي يستحيل فيها الاتفاق الصريح، لكنها تبقى في الوقت نفسه حلولاً مؤقتة لا تسويات نهائية.
غير أن خطورة هذا النوع من الاتفاقات تكمن في أن الغموض البنّاء يحمل في داخله بذور هشاشته.
فهو ينجح فقط إذا كان مرحلة انتقالية تمهّد لتفاهم أوضح، أو تفتح باباً جدياً أمام مسار تفاوضي أوسع. أما إذا بقي مجرد ضباب سياسي من دون ترجمة عملية، فإنه يتحول سريعاً من أداة تهدئة إلى أداة تأجيل، ومن مساحة مرنة لخفض التوتر إلى مهلة قصيرة تسبق انفجاراً جديداً.
وهذا ما يجعل هدنة الأسبوعين شديدة الحساسية.
فالأسئلة الأساسية التي فجّرت التوتر لم تُحلّ بعد، بل جرى فقط تجميدها مؤقتاً.
ماذا عن البرنامج النووي الإيراني؟
ماذا عن أمن الممرات البحرية؟
ماذا عن دور إسرائيل في هذه المعادلة؟
وماذا عن الساحات المرتبطة بإيران في المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن؟
كل هذه الملفات لا تزال مفتوحة، ما يعني أن الهدنة لم تُنهِ أسباب الصراع، بل فقط أوقفت إيقاعه العسكري لبعض الوقت. فالهدنة قد تنجح في وقف النار، لكنها لا تعني تلقائياً أن قرار العودة إلى النار قد سقط.
وفي هذا المعنى، تبدو مهلة الأسبوعين أقرب إلى اختبار نيات منها إلى تسوية فعلية.
اختبار لما إذا كان الطرفان يريدان فعلاً استثمار هذه المساحة للانتقال إلى تفاهم سياسي، أم أنهما يستخدمانها فقط لإعادة التموضع وتحسين شروط الجولة التالية.
فلا تبدو هدنة الأسبوعين بين واشنطن وطهران تسوية سلام بقدر ما تبدو استراحة محسوبة داخل أزمة لم تنتهِ بعد، هي مفيدة لأنها توقف الاندفاعة وتمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعني أن المنطقة خرجت من دائرة الخطر، بل يمكن القول إن ما جرى حتى الآن ليس نهاية المواجهة، بل تعليق مؤقت لمسارها بانتظار ما إذا كانت السياسة ستنجح في الإمساك بها… أو ستُترك مجدداً للميدان.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت الهدنة ستصمد أسبوعين، بل ما إذا كانت ستنجح في تحويل الغموض إلى مسار سياسي واضح.
فإن حصل ذلك، يكون الغموض قد أدى وظيفته البنّاءة.
أما إذا بقي مجرد ضباب فوق نار مشتعلة، فلن يكون أكثر من تأجيل محسوب لحرب أكبر.
فالمنطقة لا تعيش أزمة قابلة للاحتواء ببيان سياسي أو اتصال دبلوماسي عابر، بل تقف على حافة اشتباك مفتوح على احتمالات كبرى، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، وتتشابك فيه الرسائل الميدانية مع المفاوضات غير المعلنة. ومن هنا، تبدو هدنة الأسبوعين أقرب إلى إدارة دقيقة للحافة منها إلى اتفاق حاسم، وأقرب إلى وقف اندفاعة منها إلى إنهاء مواجهة.
في هذا السياق، لا يعود الغموض مجرد نقص في التفاصيل، بل يتحول إلى أداة سياسية مقصودة.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى أن تقول إنها لم تتراجع، وإنها فرضت الردع ونجحت في كبح التصعيد الإيراني أو على الأقل وقفه مؤقتاً. وفي المقابل، تحتاج طهران إلى أن تظهر أمام جمهورها وحلفائها أنها لم تُهزم، ولم تدخل في التهدئة من موقع الانكسار، بل من موقع المناورة والصمود. وبين هذين السردين المتناقضين، يصبح الاتفاق الواضح أمراً بالغ الصعوبة، لأن الوضوح قد يفضح حجم التنازل الذي لا يستطيع أي طرف تحمّل كلفته السياسية.
وهنا بالتحديد تنشأ وظيفة الغموض البنّاء.هو ليس اتفاقاً يحلّ الخلاف، بل صيغة تسمح بتجميد الانفجار من دون حسم أسبابه،أي أنه يفتح مساحة مؤقتة يستطيع فيها كل طرف أن يفسر الهدنة بما يناسبه، وأن يمرّرها داخلياً من دون أن يتحمل كلفة الاعتراف بالتراجع أو الخسارة. وهذا ما يجعل مثل هذه التفاهمات قابلة للحياة في اللحظات التي يستحيل فيها الاتفاق الصريح، لكنها تبقى في الوقت نفسه حلولاً مؤقتة لا تسويات نهائية.
غير أن خطورة هذا النوع من الاتفاقات تكمن في أن الغموض البنّاء يحمل في داخله بذور هشاشته.
فهو ينجح فقط إذا كان مرحلة انتقالية تمهّد لتفاهم أوضح، أو تفتح باباً جدياً أمام مسار تفاوضي أوسع. أما إذا بقي مجرد ضباب سياسي من دون ترجمة عملية، فإنه يتحول سريعاً من أداة تهدئة إلى أداة تأجيل، ومن مساحة مرنة لخفض التوتر إلى مهلة قصيرة تسبق انفجاراً جديداً.
وهذا ما يجعل هدنة الأسبوعين شديدة الحساسية.
فالأسئلة الأساسية التي فجّرت التوتر لم تُحلّ بعد، بل جرى فقط تجميدها مؤقتاً.
ماذا عن البرنامج النووي الإيراني؟
ماذا عن أمن الممرات البحرية؟
ماذا عن دور إسرائيل في هذه المعادلة؟
وماذا عن الساحات المرتبطة بإيران في المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن؟
كل هذه الملفات لا تزال مفتوحة، ما يعني أن الهدنة لم تُنهِ أسباب الصراع، بل فقط أوقفت إيقاعه العسكري لبعض الوقت. فالهدنة قد تنجح في وقف النار، لكنها لا تعني تلقائياً أن قرار العودة إلى النار قد سقط.
وفي هذا المعنى، تبدو مهلة الأسبوعين أقرب إلى اختبار نيات منها إلى تسوية فعلية.
اختبار لما إذا كان الطرفان يريدان فعلاً استثمار هذه المساحة للانتقال إلى تفاهم سياسي، أم أنهما يستخدمانها فقط لإعادة التموضع وتحسين شروط الجولة التالية.
فلا تبدو هدنة الأسبوعين بين واشنطن وطهران تسوية سلام بقدر ما تبدو استراحة محسوبة داخل أزمة لم تنتهِ بعد، هي مفيدة لأنها توقف الاندفاعة وتمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعني أن المنطقة خرجت من دائرة الخطر، بل يمكن القول إن ما جرى حتى الآن ليس نهاية المواجهة، بل تعليق مؤقت لمسارها بانتظار ما إذا كانت السياسة ستنجح في الإمساك بها… أو ستُترك مجدداً للميدان.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت الهدنة ستصمد أسبوعين، بل ما إذا كانت ستنجح في تحويل الغموض إلى مسار سياسي واضح.
فإن حصل ذلك، يكون الغموض قد أدى وظيفته البنّاءة.
أما إذا بقي مجرد ضباب فوق نار مشتعلة، فلن يكون أكثر من تأجيل محسوب لحرب أكبر.