وجدي العريضي
النهار
كتب وجدي العريضي في "النهار":
لطالما كانت الأحزاب السياسية التاريخية والتقليدية، موطئاً أساسياً للعمل النقابي ولقضايا الناس وهمومهم، إلا أنّ هذه الأحزاب برمّتها وبعدما عاشت سنوات طويلة في جنّات السلطة وأكلت من خيراتها، ابتعدت عن العمل النقابي بعدما بنت شعاراتها البراقة والفضفاضة على خلفية كل ما يتصل بهذه المسألة، وصولاً إلى تقدّمها الصفوف الأمامية في التظاهرات التي ذاع صيتها في حقبة الستينات والسبعينات إلى أواخر الثمانينات أيام الزمن الجميل للعمل النقابي.
ومن هذا المنطلق، لوحظ أنّه بعدما دجّنت الأحزاب التحركات النقابية والمطلبية وقبضت على مفاصلها، باتت بمعظمها ممسوكةً من هذا الحزب او ذاك أو هذا التيار وسواه، الأمر الذي أدى إلى انتفاضة في أكثر من استحقاق نقابي كسحته قوى المجتمع المدني والمستقلون، ولا سيما في نقابة المهندسين تحت شعار "النقابة تنتفض".
والسؤال المطروح: هل تتواصل هذه الخطى في الاستحقاقات الدستورية المقبلة، أم أنّها مقتصرة على انتخابات هيئات نقابية وجامعية وطالبية؟ في السياق، حذّرت مرجعية سياسية في مجالسها قبل أيام كوادرها من الاستهتار بما تقوم به النقابات وما حصل مع المهندسين، داعيةً إلى ضرورة احترام هذه الانتفاضات والانتخابات لأنّها مؤشر واضح وجرس إنذار لكل قوى السلطة والأحزاب. وبناءً عليه لوحظ أنّ الحزب التقدمي الاشتراكي و"القوات اللبنانية" وربما غيرهما لن يدعموا في انتخابات نقيب جديد وأعضاء في نقابة المهندسين أحزاب السلطة أو تكتل بعض القوى السلطوية ومستقلين في مواجهة المرشحين للنقابة، ومنهم من لا ينتمون إلى أي حزب أو تيار بل هم مستقلون بامتياز، ولا بد من أخذ هذا الموضوع في الاعتبار كما تشير مصادر متابعة، لا سيما على الساحة المسيحية حيث هناك أحزاب مسيحية قديمة وحديثة سيكون لها موقف واضح في هذا الاستحقاق لدعم المستقلين وعدم الانجرار وراء الأحزاب. وبمعنى أوضح انّ ما يجري اليوم هو بمنزلة حركة تصحيحية ودعوة لاختبار الوجوه التغييرية صاحبة الاختصاص والكفّ النظيف، الأمر الذي قد يُترجَم يوم الاستحقاق في الثامن عشر من تموز الجاري، ولهذه الغاية تدور المعركة بين أسماء معروفة مرشحة لمركز النقيب مثل جوزف مشيلح وعلي درويش، وثمة عدد كبير مرشح لمركز النقيب ولعضوية المجلس.
ويُستدل وفق الاستطلاعات أنّ الحزب التقدمي الاشتراكي الذي له باع طويل وأساسي في انتخابات المهندسين منذ سنوات طويلة، لن يكون إلى جانب "تيار المستقبل" في ظل الفتور الذي يعتري العلاقة بينهما، وهو سجّل سابقة يوم انتُخب صديق رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط المهندس عاصم سلام نقيباً، بينما في استحقاقات لاحقة تحالف "الاشتراكي" مع "المستقبل" و"القوات"، أي قوى الرابع عشر من آذار التي كانت موحّدة في تلك المرحلة، واستطاعت أن تسجّل انتصارات نقابية كثيرة. لذلك هذه المعركة ستدور رحاها بين المرشحين المعروفين المشار إليهم لمركز النقيب، ومنهم المهندس عبدو سكرية المستقل وغير المدعوم من الأحزاب والذي أطلق برنامجاً شاملاً، واللافت ما دعا إليه المهندس سكرية من إعلان حالة طوارئ هندسية مالية وقانونية لإدارة ما تبقى من أموال النقابة واستشارة مكاتب متخصصة في هذا الإطار وتعيين إدارة مالية، ما يعني أنّ هناك عملية إصلاحية مقبلة على النقابات من المهندسين إلى سواهم. وهذه الطروحات تلقى آذاناً صاغية وقبولاً لدى المجتمع الدولي والأمم المتحدة والصناديق الضامنة التي تصرّ على تشكيل حكومة إصلاحية عبر إصلاح شامل إدارياً ومالياً، نظراً إلى ما حصل في الحكومات المتعاقبة والنقابات الممسوكة من السلطة والأحزاب من هدر وفساد ساهما في خلخلة الوضع الاقتصادي ولاحقاً انهياره وتفكك النقابات التي أمسكتها زعامات وأحزاب.
ويبقى أنّ التعويل انطلق من نقابة المهندسين وبعض النقابات والسبحة تكر، لذا السؤال المطروح: هل يتغير وجه لبنان إصلاحياً بعدما بات هذا المطلب على لسان كل مسؤول دولي وأممي؟ هذه المسألة هي من الشروط الأساسية التي تطالب بها الدول المعنية بالملف اللبناني من واشنطن إلى باريس والرياض وسائر الدول التي تقدّم الدعم للبنان، إضافةً إلى الصناديق الضامنة، لذا قد تكون عملية انتخاب نقيب جديد للمهندسين وانطلاق العملية الإصلاحية بمنزلة "بروفة" نحو استحقاقات أشمل وأوسع يترقبها اللبنانيون نيابياً ورئاسياً وعلى الصعيد البلدي. وعليه فإنّ الأمر اللافت هو أنّ رؤساء الأحزاب والمرجعيات السياسية يراقبون كل الاستحقاقات النيابية وخلفياتها وظروفها، في حين يُنقل أنّ أكثر من سفارة غربية تواكبها أيضاً وبارتياح على اعتبار أنّ لهذا القطاع دورا أساسيا في إعادة الإعمار ولا يمكن بعد اليوم أن يتولاه إلا أصحاب الثقة والمشهود لهم بالشفافية ونظافة الكف، وهذه المواصفات هي "دفتر شروط" لمن سيقدِم على دعم لبنان.