"مش مسرحية" ينقل الشباب من الهامش إلى التأثير
20 Apr 202614:14 PM
"مش مسرحية" ينقل الشباب من الهامش إلى التأثير
نداء الوطن

إستال خليل

نداء الوطن

 

في بلدٍ أنهكته الأزمات وتآكلت فيه الثقة بالسياسة، يخرج برنامج "مش مسرحية" عبر "mtv" محاوِلًا كسر النمط السائد وفاتحًا مساحة أمام جيل الشباب الذي يقف بين الإحباط والسّعي إلى التغيير. لكنّ أبناء هذا الجيل نفسه لا تخلو آراؤهم السياسيّة من تناقضاتٍ حادّة: فبعضها مسمومٌ بالحقد، فيما لا قدرة لبعض الشباب على تقبّل الرأي الآخر، بعدما تشبّع عقله بولاءاتٍ عمياء موروثةٍ لأحزابٍ كان لها دورٌ كبيرٌ في تدمير البلاد.

في "مش مسرحية" لا يقف شباب لبنان كمتفرّجين، بل يُختبَرون كفاعلين بين ما يحملونه من إرثٍ ثقيل وما يُفترض أن يكونوا عليه.

في هذا الإطار، يقول الإعلامي جو معلوف لـ "نداء الوطن"، إن برنامجه ليس مشروعًا تلفزيونيًّا تقليديًّا، بل مشروعًا سياسيًّا وإعلاميًّا متكاملًا، صُمِّم ليكسر الشكل السائد ويعيد تعريف دور الشاشة في الحياة العامّة. ويوضح معلوف أن "ما يُعرض على الشاشة ليس سوى الواجهة، أمّا الجوهر فهو بناء منصّةٍ حقيقيّةٍ للشباب، تُخرج أصواتهم من الهامش إلى موقع التأثير"، مضيفًا أن "المشكلة في لبنان لم تكن يومًا غياب الصوت، بل غياب المساحة التي تسمح لهذا الصوت أن يُسمع بجدّية. لذلك، نحن لا نقدّم منبرًا للتعبير فقط، بل نعيد فرض حضور هذا الصوت داخل المعادلة السياسيّة نفسها، كعامل ضغط لا يمكن تجاهله".
يعتبر معلوف أن الرسالة في برنامجه موجّهة بوضوح إلى الطبقة السياسيّة، فـ "ثمّة جيلٌ داخل كلّ طائفة، يفكّر ويعترض ويبحث عن دور ونحن نسعى لمنحه الفرصة ليصبح مؤثرًا". أمّا اختياره التركيز على "جيل 2028" فليس شعارًا، بل جزءًا من مسارٍ استراتيجي طويل، على ما يقول، مشيرًا إلى أن "هذا المشروع لا يُقاس بحلقة أو موسم، بل بقدرة هؤلاء الشباب على الانتقال خلال السنوات المقبلة من موقع النقاش إلى موقع القرار. نحن نعمل على أفقٍ يبدأ فعليًّا عام 2032 ويمتدّ إلى ما بعده، حيث لا يعود هؤلاء المشاركون مجرّد أصوات، بل يتحوّلون إلى فاعلين داخل المجتمع وربّما الدولة".
نشير لمعلوف إلى كون ثمّة من يعتبر أن طرح "مش مسرحية" يحمل طابعًا استعراضيًا، فيردّ بأن "الاستعراض الحقيقي هو ما شهدناه طوال السنوات الماضية، حيث جرى استهلاك القضايا من دون أيّ نتيجة. أمّا ما نقوم به اليوم فهو العكس تمامًا، أي إنشاء بيئة حقيقيّة تُجبر المشاركين على اتخاذ مواقف، وتحمّل مسؤوليّتها، والانخراط في نقاشٍ لا يمكن الهروب منه"، مؤكدًا أن "اختلاف هذا البرنامج لا يكمن في الشكل فقط، بل في طبيعة التجربة التي يفرضها على المشاركين والجمهور معًا".

قرار حاسم
انتقال جو معلوف إلى هذا النوع من البرامج لم يكن خطوة إعلاميّة عاديّة بالنسبة إليه، بل "قرارًا وجوديًا على مستوى مسيرته"، موضحًا أنه كان "أمام خيارَين: إمّا التوقف عن العمل التلفزيوني الذي لم يعد يُنتج أثرًا، أو المخاطرة بكلّ شيء لصالح مشروع ذي معنى. كنت مستعدًا للابتعاد، لكن هذا المشروع أعاد تعريف سبب وجودي في الإعلام، ليس كمنصّة عرض، بل كأداة تأثير".
يؤكد معلوف أن "توقيت إطلاق البرنامج لم يكن عفويًّا، بل جاء في لحظةٍ يشعر فيها الشباب أنهم على هامش المستقبل، أو خارج المعادلة بالكامل". ويضيف أن "هذا المشروع هو محاولة لكسر هذا الشعور، لا عبر الخطاب بل عبر إشراكهم فعليًّا في تجربة تُعيد إليهم الإحساس بالدور والمسؤوليّة".
نسأل معلوف عن حضور المشهديّة الفنيّة ضمن حلقات "مش مسرحية"، فيجيب أن "الفن ليس عنصرًا تجميليًا، بل جزءًا من البُنية التعبيريّة للمشروع، يُستخدم كوسيلة لكشف التناقضات، وتحفيز الوعي، وفتح مساحاتٍ مختلفة من الفهم تتجاوز النقاش المباشر". ويؤكد أن "أيّ تغيير حقيقي لا يمكن أن يحدث من دون ثورة، وهذه الثورة لا يمكن أن تحدث من دون ثقافة، والفنّ واحد من أهم أدوات إنتاج هذه الثقافة".
وفي ختام حديثه، يتوجّه الإعلامي جو معلوف عبر "نداء الوطن" إلى جيل الشباب بالقول: "لستم على الهامش، بل أنتم جزء من المعادلة. قوّتكم ليست فقط في عددكم، بل في قدرتكم على فرض أنفسكم كصوتٍ لا يمكن تجاوزه. لا بدّ لكم من أخذ هذا الدَّور، حتى لا يبقى غيركم يقرّر عنكم. أنتم قادرون على تغيير قواعد اللعبة وقلب الطاولة على كلّ أركان السلطة القائمة. كونوا المستقبل الذي تريدون".
أمل المستقبل
المستشار الاستراتيجي في برنامج "مش مسرحية" الدكتور رمزي أبو اسماعيل، يرى من جهته أن "جيل الشباب ليس فقط أمل المستقبل، بل هو جزءٌ من الأزمة الراهنة"، موضحًا في حديثه مع "نداء الوطن" أن "معايشته الطويلة هذه الأزمة تجعله عنصرًا أساسيًا في الحلّ"، ومشيرًا إلى فجوةٍ بين قناعات بعض الشباب وسلوكهم، إذ "يتبنون مواقف نقديّة وثوريّة تجاه النظام، فيما يستمرّون في الامتثال لمنظوماتٍ اجتماعيّة وطائفيّة تحكم بيئاتهم". ويضيف أبو اسماعيل أن "التحدّي يكمن في إعادة تشكيل الهويّة السياسيّة للشباب، بحيث ينتقلون من موقع "أنا ضدّ النظام" إلى موقع "أنا قادرٌ على التغيير". وهذا التحوّل يتطلّب الانتقال من دَور الناقد إلى دَور الفاعل". لكن كيف السّبيل إلى تحقيق هذا الانتقال؟ يجيب أبو اسماعيل: "عبر تعزيز الشعور بالكفاءة السياسيّة، بما يتيح للشباب التعبير عن آرائهم والانخراط في التأثير. فتوفير نماذج قياديّة جديدة ومساحات مفتوحة للنقاش يشكّل مدخلًا أساسيًّا للخروج من حالة النقد إلى الفعل".
يرى الدكتور أبو اسماعيل أن "البرامج لا تصنع قادة بقدر ما تختبرهم وتكشف قدراتهم وتُسرّع نضوجهم السياسي"، ويعتبر أن "برنامج "مش مسرحية" صُمّم كبيئة ضغطٍ تدفع المشاركين إلى اتخاذ مواقف علنيّة، والدخول في نقاشاتٍ فكريّة، والخضوع لمساءلة الجمهور عبر التصويت. هذه التجربة تتيح للشباب خوض عناصر نادرًا ما تتوافر في حياتهم السياسيّة التقليديّة". ويوضح أن "الإشكاليّة لا تتوقف عند الاكتشاف، بل تمتدّ إلى ما بعده، أي إلى إمكانيّة تطوير هذه الكفاءات خارج الشاشة، بحيث يتمكّن المشاركون من ترجمة مهاراتهم إلى سلوك يوميّ، وتطوير أفكارهم، وتعزيز وعيهم بالمساءلة، ما يفضي إلى نضجٍ سياسيّ تدريجيّ".
"مش مسرحية" يضع الشباب ضمن بيئة ضاغطة مدروسة تكشف طريقة تفكيرهم وآليّات اختلافهم وكيفيّة اتخاذهم القرارات، يقول أبو اسماعيل الذي يلفت إلى أن "الهدف لا يقتصر على تحديد من هو على حق، بل يتجاوز ذلك باتجاه تقييم طريقة المعالجة واتخاذ القرار، بما يدفع الجمهور إلى اختيار الأكثر قدرة على المقاربة".
الدكتور رمزي أبو اسماعيل يشارك إلى جانب الإعلامي جو معلوف في صياغة الإطار النفسي والفكريّ للحلقات، وفي توجيه الأسئلة بما يكشف مستويات أعمق من التفكير، بعيدًا من السطحيّة أو الشعبويّة. كما يتولّى "تحليل تفاعل الجمهور مع المشاركين، واستشراف السيناريوات المحتملة للإجابات، لتفادي الانزلاق نحو نقاشاتٍ متوترةٍ أو استقطابيّة". ويلفت إلى أن "اختيار المشاركين يستند إلى معايير واضحة، أبرزها القدرة على التعبير والاستعداد لإبداء الرأي، إلى جانب ضمان تنوّعٍ يعكس التعدّديّة اللبنانيّة".
قائد واعٍ
بحسب ما يرى الدكتور رمزي أبو اسماعيل، "لبنان لا يحتاج إلى "قائدٍ قويّ" بقدر ما يحتاج إلى "قائدٍ واعٍ" يدرك تعقيد المجتمع، ويملك القدرة على إدارة التناقضات بدل الهروب منها، وهذه القيادة تتطلّب مرونة نفسيّة تسمح بالتكيّف مع المتغيّرات، واستقلالًا نسبيًّا عن الهويّات المغلقة، مع وعي بها دون الارتهان إليها". ويشدّد على أهميّة التحلّي بالجرأة لاتخاذ قراراتٍ قد لا تحظى بشعبيّة، والاستعداد لتحمّل كلفتها، مشيرًا إلى أن قائد المستقبل هو من يحافظ على الاختلاف ضمن مساحة مشتركة قابلة للاستمرار، منوِّهًا بأن "الإعلام لا يقتصر دوره على نقل الواقع، بل يساهم في تشكيل الوعي النفسي والسياسي، من خلال التأثير في ما يُعرض وكيف يُفسَّر، وما يُعدّ شرعيًّا أو مرفوضًا". ويلفت إلى أن تأثير الإعلام يكون أكبر على الشباب، نظرًا إلى أن هويّاتهم السياسيّة لا تزال في طور التشكّل، ما يجعله فرصةً لفتح نقاشاتٍ جديّة، وخطرًا في حال أعاد إنتاج الاستقطاب والشعبويّة.
ويختم الدكتور رمزي أبو اسماعيل كلامه بالإشارة إلى أن "التصويت يعكس مزيجًا من الانطباع والكاريزما من جهة، والقناعات والهويّات من جهةٍ أخرى"، معتبرًا إيّاه أداة لقياس تفاعل الجمهور مع الأفكار، لا حكمًا نهائيًا على نجاح الأفراد. ويشدّد على "ضرورة كسر النموذج التقليدي للقيادة، وتعزيز صفاتٍ مثل الاستماع، ومراجعة الذات، والانفتاح على بيئات مختلفة، بما يتيح بناء مسارات مستدامةٍ تتجاوز اللّحظة الإعلاميّة نحو تأثيرٍ فعليّ في المستقبل".
إذًا، برنامج "مش مسرحية" التلفزيوني لا يدّعي صنع قادة، بل يفتح اختبارًا علنيًّا لقدرة الشباب على التفكير والتأثير. وبين المساحة التي يوفرها المشروع والرهان على وعيهم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحوّل هذا الصوت إلى قوّةٍ فعليّة في الواقع، أم يبقى مجرّد بدايةٍ تحتاج إلى ما يتجاوز الشاشة؟