نخله عضيمي
نداء الوطن
يتساءل بعض اللبنانيين: لماذا اضطر لبنان إلى توقيع صيغة الإطار لعام 2026؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال استعراض مسار غياب الدولة منذ عام 1949، تاريخ توقيع "اتفاق الهدنة" الذي ذكره اليوم الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وحتى تاريخ إطلاق الصواريخ ليل 2 آذار 2026. وبين هذين التاريخين، نستعرض كيف أن استيلاء الميليشيات الفلسطينية، ثم النظام السوري ومعه الميليشيات الإيرانية والفلسطينية، ثم "حزب الله" منفردًا، ثم "حزب الله" ومعه "الحرس الثوري"، على قرار السلم والحرب، واستعمال جبهة لبنان، أدّيا إلى الانتقال من اتفاق الهدنة عام 1949 إلى القرار 425، ثم القرار 1701، ثم اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2024، ثم صيغة الإطار عام 2026، وأن هذا الاستعراض سيصل، في الخلاصة، إلى أن عدم تطبيق صيغة الإطار الأخيرة سينقل لبنان إلى الاستسلام الكامل.
يمكن النظر إلى هذه المحطات الخمس الناظمة للعلاقات بين لبنان وإسرائيل على أنها سلسلة متتابعة من الاتفاقات والقرارات التي انتقلت تدريجيًا من تثبيت حدود لبنان وسيادته إلى فرض التزامات أمنية أكثر تفصيلا، نتيجة استمرار النزاع وعدم نجاح الدولة اللبنانية في احتكار استخدام القوة.
أولا: "اتفاق الهدنة" لعام 1949
تم توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949، بعد حرب 1948. وقد نص على إنهاء العمليات العسكرية بين الطرفين، واحترام الحدود الدولية القائمة، وإنشاء لجنة الهدنة المشتركة بإشراف الأمم المتحدة، ومنع أي أعمال عسكرية عبر الحدود من أي من الطرفين. وكانت مكاسب لبنان آنذاك تتمثل في تثبيت حدوده الدولية والاعتراف الكامل بسيادته على أراضيه، من دون أي التزامات تتعلق بنزع سلاح فئة لبنانية أو ترتيبات أمنية داخلية، لأن الدولة كانت تمارس سيادتها على كامل أراضيها.
ثانيًا: قرار مجلس الأمن 425
صدر القرار بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، وطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وأنشأ قوة الأمم المتحدة الموقتة "اليونيفيل"، وكلّفها مساعدة الحكومة اللبنانية على إعادة بسط سلطتها في الجنوب. وقد شكّل القرار مكسبًا مهمًّا للبنان، لأنه كرّس حقه الكامل في أراضيه، وطالب بالانسحاب الإسرائيلي من دون اشتراط ترتيبات سياسية أو أمنية معقّدة، مع التركيز على دعم سلطة الدولة اللبنانية.
ثالثًا: قرار مجلس الأمن 1701
صدر القرار بعد حرب تموز 2006، ونص على وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتعزيز قوات "اليونيفيل"، وعدم وجود أي سلاح جنوب الليطاني سوى سلاح الدولة اللبنانية و"اليونيفيل" ضمن مهامها، ومنع إدخال السلاح إلى الجهات غير الحكومية، ودعم تنفيذ بقية القرارات الدولية ذات الصلة. وهنا برز تحوّل مهم، إذ لم يعد المجتمع الدولي يكتفي بالمطالبة بانسحاب إسرائيل، بل أصبح يفرض أيضًا ترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية نتيجة وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة.
رابعًا: اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024
جاء الاتفاق بعد المواجهة الواسعة التي بدأت على الحدود عام 2023، وأعاد التأكيد على تنفيذ القرار 1701، مع وضع جدول زمني لإعادة الانتشار، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وإنشاء آليات مراقبة أكثر فاعلية، ومتابعة أميركية وفرنسية ودولية للتنفيذ، ومعالجة الخروقات بصورة مباشرة. ويعكس هذا الاتفاق انتقال المجتمع الدولي إلى مستوى أعلى من الرقابة والتدخل لضمان تنفيذ الالتزامات التي بقيت معلّقة منذ عام 2006.
خامسًا: صيغة الإطار الثلاثي لعام 2026
يهدف الاتفاق إلى الانتقال من مجرد وقف الأعمال العدائية إلى إنهاء حالة النزاع، عبر مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ووضع ترتيبات أمنية وسياسية أكثر شمولا، وبحث القضايا الحدودية والأمنية بصورة نهائية، مع التزام متبادل بضمان الأمن والسيادة. ويمثل هذا الاتفاق انتقالا من إدارة النزاع إلى محاولة إنهائه عبر اتفاقات لاحقة بين الدولتين.
ومن خلال هذه المحطات، يتبيّن أن طبيعة الالتزامات المفروضة على لبنان تغيّرت تدريجيًا. ففي اتفاق الهدنة عام 1949، كان التركيز محصورًا باحترام الحدود ووقف القتال، ثم جاء القرار 425 ليضيف مطلب الانسحاب الإسرائيلي وإعادة بسط سلطة الدولة على الجنوب. وبعد حرب 2006، توسّعت الالتزامات مع القرار 1701 لتشمل تنظيم الوضع الأمني داخل الأراضي اللبنانية، ولا سيما حصر السلاح جنوب الليطاني وانتشار الجيش اللبناني. ثم جاءت ترتيبات عام 2024 لتشدّد آليات التنفيذ والرقابة الدولية، وصولا إلى صيغة الإطار لعام 2026 التي تسعى إلى تسوية سياسية وأمنية شاملة وإنهاء حالة النزاع.
ووفق هذا التحليل، فإن كل مرحلة جاءت نتيجة عدم استكمال تنفيذ المرحلة السابقة.
وبناءً عليه، فإنه كلما تعذّر تنفيذ الاتفاقات السابقة أو احتكار الدولة للسلاح وممارسة سلطتها الكاملة على أراضيها، ازداد تدخل المجتمع الدولي في رسم الترتيبات الأمنية الخاصة بلبنان، وانتقلت الاتفاقات من الاكتفاء بحماية الحدود والمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي إلى تنظيم تفاصيل أمنية وسياسية داخل الأراضي اللبنانية، والسعي إلى تسوية شاملة للنزاع. من هنا أهمية تطبيق صيغة الإطار بشكل نهائي وحاسم، لأنه إذا سقطت هذه الصيغة أو بقيت حبرًا على ورق، فسنصل إلى منعطف طريق خطير لن يسلم منه أحد، نعرف من أين يبدأ، ولا نعرف أين سينتهي.
يمكن النظر إلى هذه المحطات الخمس الناظمة للعلاقات بين لبنان وإسرائيل على أنها سلسلة متتابعة من الاتفاقات والقرارات التي انتقلت تدريجيًا من تثبيت حدود لبنان وسيادته إلى فرض التزامات أمنية أكثر تفصيلا، نتيجة استمرار النزاع وعدم نجاح الدولة اللبنانية في احتكار استخدام القوة.
أولا: "اتفاق الهدنة" لعام 1949
تم توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949، بعد حرب 1948. وقد نص على إنهاء العمليات العسكرية بين الطرفين، واحترام الحدود الدولية القائمة، وإنشاء لجنة الهدنة المشتركة بإشراف الأمم المتحدة، ومنع أي أعمال عسكرية عبر الحدود من أي من الطرفين. وكانت مكاسب لبنان آنذاك تتمثل في تثبيت حدوده الدولية والاعتراف الكامل بسيادته على أراضيه، من دون أي التزامات تتعلق بنزع سلاح فئة لبنانية أو ترتيبات أمنية داخلية، لأن الدولة كانت تمارس سيادتها على كامل أراضيها.
صدر القرار بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، وطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وأنشأ قوة الأمم المتحدة الموقتة "اليونيفيل"، وكلّفها مساعدة الحكومة اللبنانية على إعادة بسط سلطتها في الجنوب. وقد شكّل القرار مكسبًا مهمًّا للبنان، لأنه كرّس حقه الكامل في أراضيه، وطالب بالانسحاب الإسرائيلي من دون اشتراط ترتيبات سياسية أو أمنية معقّدة، مع التركيز على دعم سلطة الدولة اللبنانية.
ثالثًا: قرار مجلس الأمن 1701
صدر القرار بعد حرب تموز 2006، ونص على وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتعزيز قوات "اليونيفيل"، وعدم وجود أي سلاح جنوب الليطاني سوى سلاح الدولة اللبنانية و"اليونيفيل" ضمن مهامها، ومنع إدخال السلاح إلى الجهات غير الحكومية، ودعم تنفيذ بقية القرارات الدولية ذات الصلة. وهنا برز تحوّل مهم، إذ لم يعد المجتمع الدولي يكتفي بالمطالبة بانسحاب إسرائيل، بل أصبح يفرض أيضًا ترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية نتيجة وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة.
رابعًا: اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024
جاء الاتفاق بعد المواجهة الواسعة التي بدأت على الحدود عام 2023، وأعاد التأكيد على تنفيذ القرار 1701، مع وضع جدول زمني لإعادة الانتشار، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وإنشاء آليات مراقبة أكثر فاعلية، ومتابعة أميركية وفرنسية ودولية للتنفيذ، ومعالجة الخروقات بصورة مباشرة. ويعكس هذا الاتفاق انتقال المجتمع الدولي إلى مستوى أعلى من الرقابة والتدخل لضمان تنفيذ الالتزامات التي بقيت معلّقة منذ عام 2006.
خامسًا: صيغة الإطار الثلاثي لعام 2026
يهدف الاتفاق إلى الانتقال من مجرد وقف الأعمال العدائية إلى إنهاء حالة النزاع، عبر مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ووضع ترتيبات أمنية وسياسية أكثر شمولا، وبحث القضايا الحدودية والأمنية بصورة نهائية، مع التزام متبادل بضمان الأمن والسيادة. ويمثل هذا الاتفاق انتقالا من إدارة النزاع إلى محاولة إنهائه عبر اتفاقات لاحقة بين الدولتين.
ومن خلال هذه المحطات، يتبيّن أن طبيعة الالتزامات المفروضة على لبنان تغيّرت تدريجيًا. ففي اتفاق الهدنة عام 1949، كان التركيز محصورًا باحترام الحدود ووقف القتال، ثم جاء القرار 425 ليضيف مطلب الانسحاب الإسرائيلي وإعادة بسط سلطة الدولة على الجنوب. وبعد حرب 2006، توسّعت الالتزامات مع القرار 1701 لتشمل تنظيم الوضع الأمني داخل الأراضي اللبنانية، ولا سيما حصر السلاح جنوب الليطاني وانتشار الجيش اللبناني. ثم جاءت ترتيبات عام 2024 لتشدّد آليات التنفيذ والرقابة الدولية، وصولا إلى صيغة الإطار لعام 2026 التي تسعى إلى تسوية سياسية وأمنية شاملة وإنهاء حالة النزاع.
ووفق هذا التحليل، فإن كل مرحلة جاءت نتيجة عدم استكمال تنفيذ المرحلة السابقة.
وبناءً عليه، فإنه كلما تعذّر تنفيذ الاتفاقات السابقة أو احتكار الدولة للسلاح وممارسة سلطتها الكاملة على أراضيها، ازداد تدخل المجتمع الدولي في رسم الترتيبات الأمنية الخاصة بلبنان، وانتقلت الاتفاقات من الاكتفاء بحماية الحدود والمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي إلى تنظيم تفاصيل أمنية وسياسية داخل الأراضي اللبنانية، والسعي إلى تسوية شاملة للنزاع. من هنا أهمية تطبيق صيغة الإطار بشكل نهائي وحاسم، لأنه إذا سقطت هذه الصيغة أو بقيت حبرًا على ورق، فسنصل إلى منعطف طريق خطير لن يسلم منه أحد، نعرف من أين يبدأ، ولا نعرف أين سينتهي.