وصلتني رسالة على تطبيق "واتساب" باللغة الإنكليزية من رقم مجهول وفيها الآتي: "إسمي جوني وأعتذر مسبقاً عن الإزعاج. للصراحة، صادفتك على اوتوستراد جونية خلال زحمة السير صباح الثلاثاء المنصرم، وأعجبت بوجهك الجميل. ولأن الصدف قد لا تجمعنا مجدداً، اضطررت إلى أخذ رقم لوحة سيارتك، الوسيلة الوحيدة التي تربطني بك. بحثت عن شخص يملك تطبيق لوحات السيارات للحصول على رقم جوّالك للتواصل معك. تردّدت مراراً قبل ارسال هذا النص، لكن لم تكن بيدي حيلة أخرى، فقمت وبادرت بهذه الخطوة. بعد أن اوضحت تصرّفي الآن، اقترح بأن تمنحيني فرصة للتعرّف على بعضنا البعض. اتمنّى الحصول على ردّ ايجابي منك (بالرغم من أنّني على يقين بأن فتاة جميلة مثلك لديها الكثير من المعجبين)، وفي حال وصلتني رسالة سلبيّة منك، سأتوقّف عن ازعاجك. وفي الختام، أشكرك على الوقت الثمين الذي خصّصته لقراءة هذه الرسالة".
للوهلة الأولى، اعتقدت أنّه حتماً أستاذ لغة انكليزيّة، فالنصّ مكتوب على طريقة البريد الإلكتروني، ويتضمّن مفردات وتعابير لغوية متخصّصة. لكن سرعان ما تصوّرت أنها رسالة ربّما كتبها بدقة واتقان ويقوم بإرسالها إلى أيّ فتاة تعترض ناظريه. قرأت النصّ مراراً محاولةً تقدير الوقت والمجهود الذي بذله هذا الشاب لكتابته. ضحكت، تجاهلت الرسالة واكملت نهاري. أخبرت صديقتي بالموضوع، فضحكت أيضاً.
بعد أسبوعين، أرسلت لي الصديقة نفسها رسالة جوني على "واتساب"، ولكن هذه المرّة كانت موجّهة إليها. النصّ نفسه من دون أيّ تغيير أو تعديل. الأمر نفسه حصل مع زميلتي في العمل وجارتها.. على ما يبدو، اتّبع صاحبنا جوني استراتيجية الـCopy Paste على "واتساب"، فهي سريعة، فعّالة، غير مكلفة، وتشمل أكبر شريحة من الشابات.
ماذا لو وصلت الرسالة لفتاتين مقرّبتين؟ ماذا لو أجابت ثلاث شابات عليه في الوقت عينه، كيف كان سيتمكّن من التوفيق بينهنّ من دون الكشف عن لعبته؟ هل سيتمكن من اخفاء الكذبة؟ في محاولة للإجابة على هذه الأسئلة، اتّصلت بجوني شخصيّاً وهكذا جرى الحوار بيننا.
بعد أن تأكّدت من أنّه يحمل إسم جوني، أخبرته أنّني شابة وصلتني رسالة منه منذ فترة ذكر فيها أنّه أعجب بي على الأوتوستراد ويرغب بالتعرف والتواصل معي لو أردت. التزم الصمت لثوانٍ ثم سألني عن إسمي، فسألته باستغراب: "أنا التي أرسلت إليها الرسالة على "واتساب". ألم تعد تذكرني؟" فأجابني: "لا لا طبعاً، لكنّني ارسلت الرسالة منذ فترة وحين لم تتجاوبي معي، قمت بحذف الرقم من هاتفي. سامحيني (بإستهزاء). بإمكانك الآن التحدّث إلي على "واتساب" والبدء من جديد". لكنّني هنا قاطعته: "الغريب في الموضوع أنّ الرسالة نفسها وصلت لصديقتي ريتا، وجارتي وزميلة صديقتي .. أترسل الرسالة نفسها لأيّ فتاة تعجبك في الوقت عينه؟" نكر جوني الموضوع مرّات عدّة بعبارة "مش مزبوط" وانهيت حديثي بأنّني سأكلّمه على "واتساب" فوراً.
هذه هي آخر أساليب التعارف في لبنان. لماذا في لبنان فقط؟ لأنّ تطبيق لوحات السيارات لا يكون في متناول أيدي المواطنين في أيّ بلد آخر، بل هو فقط بمتناول الأجهزة الرسميّة المختصّة.
وفق تحليلاتي المنطقيّة، لا شكّ أنّ جوني شاب في أواخر الثلاثين (استنتجت العمر من صورته على "واتساب") ملّ من اسئلة الأهل والجيران والأقارب عن الارتباط والزواج: "شو؟ ايمتى بدنا نفرح فيك؟ في شي عالطريق؟ بدنا نجوزك .. همّا" . سأل نفسه مراراً عن كيفية إيجاد عروس مناسبة. وفي إحدى الصبحيّات، أثناء توجهه إلى العمل، استوحى فكرة "التعارف على واتساب" من زحمة السير الخانقة التي تسجنه في لساعات يوميّاً.
نسي جوني أنّ لبنان بلدٌ صغير... وألسنة الفتيات طويلة.