لا نعلم ماذا تخبئ كارين رزق الله وراء ما تكتبه. لا نعرف حجم الألم الذي تختزله كلّ عام في قصّة من ثلاثين حلقة. لا نعرف حجم الجنون داخلها. ربّما الحياة لا تسعها من الأحلام، حتى باتت تفرغ كلّ حلم على صفحات مسلسلات سمّرتنا أمام الشاشات عاماً بعد عام، ثلاثون حلقة بالتمام والكمال.
لم نعد نملك خياراً آخر. في البدء كانت تينا، ثم هنا، فهازارد، ومايدا وصولاً الى جهاد. مجنون هو قلمها، ومرتّب. هي التي اقتحمت الدراما من بابها العريض حتى أصبحت ملكة رمضان، من دون الحاجة الى ثنائيّات وثلاثيّات وإلى ممثلين أجانب لجذب شريحة أكبر من المشاهدين.
أبدعت كارين هذه المرّة وتفوّقت على نفسها في "إنتي مين". عالجت القضايا من دون أن يشعر المشاهد أنّها أُسقطت عليه أو أنّ هناك من يتقصّد أن يعظه. بسلاسة مطلقة أوصلت الرسائل التي طالت الدولة والمسؤولين والمواطنين والفاسدين والأهم الأهم، من سمّتهم "الجيل المسروق".
أبدع أيضاً نقولا دانيال في تجسيد دور "البطل"، الرجل الضعيف الذي خسر كلّ شيء بسبب الحرب ولا يزال يعيش على أمجاد الماضي.
أبدعت أيضاً وأيضاً جوليا قصّار، التي عانق الإبداع تعابير وجهها الذي لم تشوّهه ابر البوتوكس، والتي تنقّلت ببراعة بين مشاهد المقاتلة القويّة التي آمنت بقضيّتها حدّ الخيبة، وبين السيّدة الراقية المثقّفة التي عاشت في داخلها رغم كلّ ما مرّت به.
أبدعت كذلك عايدة صبرا، هي التي بكت حبيبها الذي حُرمت منه بسبب الحرب، وبكت رجلها التي خسرتها بسبب قذيفة، ثمّ شعور الأنوثة الذي حُرمت منه وهي ما زالت شابّة.
أمّا أسعد رشدان، البروفسور المكسور، وعمّار شلق، الرجل الطفل، وأنجو ريحان، المواطنة الثائرة، فلا يقلّون إبداعاً عن نقولا دانيال وجوليا قصّار وعايدة صبرا.
يكفي أن تتابع "تويتر" بعد عرض كلّ حلقة حتّى تدرك وقع مسلسل كارين على الشارع. يكفي أن تقرأ التعليقات حتّى تُدرك كيف دغدغت مشاهد "إنتي مين" مشاعر كثيرين ممّن عايشوا الحرب وعاشوا نتائجها وتعايشوا معها، وكيف جذبت جيلاً شاباً لم يعرف من الحرب إلا ما قرأه في الكتب والصحف والوثائقيّات.
عندما كنا صغاراً كان الأساتذة يطلبون منّا أن نقفل موضوع الإنشاء على أفق جديد، أن نفتح الموضوع على موضوع آخر. في "إنتي مين" استحقّت كارين رزق الله علامة ١٠ على ١٠ في ختام كلّ حلقة. نهايات تُفتح على بدايات جديدة، وأسئلة كلّما أخذنا إجابات عليها، وجدنا أنفسنا أمام أسئلة جديدة.
لا نعرف ما تخبئه الحلقات الاخيرة. ربما ستجتمع جهاد مع نسيم، وربما لن يجتمعا. لكنّ الأكيد الأكيد أنّ "إنتي مين" وكارين رزق الله، "قسما عظما"، أصبحا رقماً صعباً في عالم الدراما اللبنانية.