"حزب الله" بين التفكيك العسكري والانفكاك عن إيران
06 Mar 202606:41 AM
"حزب الله" بين التفكيك العسكري والانفكاك عن إيران
نداء الوطن

أنطوان مراد

نداء الوطن
مرّة أخرى وقد تكون الأخيرة، يسقط "حزب اللّه" في حفرة حفرها بنفسه لنفسه بالتكافل والتضامن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نتيجة حسابات خاطئة وغرور جامح من جهة، ونتيجة التماهي مع الرهان الكارثي لقادة طهران تحت عباءة المرشد الراحل علي خامنئي.

وبدلًا من أن تنصرف المرجعية الإيرانية البديلة سريعًا إلى استيعاب تداعيات الضربات القاسية، عبر طرح وقف الحرب بقرار مؤلم واستعداد للتسليم المبدئي بالشروط الأميركية التي لا تصل إلى حدّ الدعوة لتغيير النظام، على غرار ما فعل الإمام الخميني لإنهاء الحرب الضروس مع العراق، تغرق طهران في المكابرة والرهان على الوقت، مكرّرة خطأ "حزب اللّه" عندما رفض السيد حسن نصراللّه التسوية بعد ضربة "البيجرز" واغتيال أبرز القادة العسكريين، ليسقط غيلةً ويتدهور الموقف العسكري تدريجيًا وصولًا إلى القبول بوقف إطلاق النار وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية.

يقف "حزب اللّه" اليوم عند مفترق طرق محدود الخيارات، وأشدّها وطأة عليه ولكن أفضلها حفاظًا على دور معين بالحدّ الأدنى، هو قبوله الانفكاك تدريجيًا عن التحكّم الإيراني الأعمى بقراره، ولا سيّما أن بيئته تطرح أسئلة كبيرة حول الأسباب الكامنة وراء التورّط في إسناد إيران عبر إطلاق الصواريخ الستة الليلية، وهل يستحق الخضوع لإيران التضحية العبثية بما تبقى لهذه البيئة من أمل بالنهوض ومن إمكانات للصمود، بينما لم يُبنَ حجر واحد بعدُ في إطار إعادة الإعمار، ويعاني الأهلون من ثقل الأزمة المالية والاجتماعية في غياب المساعدات المعهودة.

وفي هذا الإطار، تكشف معلومات أن المعاناة المالية لـ "الحزب" إلى المزيد من التفاقم، ولا سيّما أن المخابرات المركزية الأميركية تمكّنت حتى الآن من تفكيك شبكتين كبيرتين، وخمسٍ رديفة في فنزويلا ودول أخرى في أميركا اللاتينية تتحرّك في بعضها هذه الشبكات على غرار كولومبيا والإكوادور، وكانت تتولّى تهريب الأموال بعد تبييضها لمصلحة "الحزب" والنظام الإيراني، في وقت جاءت الحرب الراهنة لتقفل بشكل شبه كلّي أبواب الدعم الإيراني عبر قنوات إقليمية تحت ستار شركات تجارية وخدماتية مالية. وهذا الواقع يتجلّى بصورة نافرة في الداخل، لدى البيئة الأقرب لـ "الحزب" والتي كانت تعتمد على مساعدات مالية ووسائل دعم متنوّعة، وباتت تستشرس من أجل اشتراك في "الضمان الاجتماعي" أو من أجل الاستحصال على خدمات رسمية وأهلية من خارج سقف "الحزب" وجمعية "القرض الحسن". ولذلك، وكما يعترف نائب قريب من أجواء "الثنائي" في مجلس خاص، فإن الجفاف المالي الذي يعانيه "حزب اللّه"، هو بخطورة الانكفاء السياسي على خلفية قرار حصر السلاح وحظر الأعمال العسكرية والأمنية بالتوازي مع الغارات والعمليات الإسرائيلية التي تستهدف كوادره ومواقعه.

ويقول دبلوماسي لبناني سابق ما زال على تواصل مع عواصم غربية عدّة بحكم علاقات شخصية نوعيّة، إن "الحزب" يواجه اليوم حالة تفكك هرمي بعد غياب السيد حسن نصراللّه وضعف خلفه الشيخ نعيم قاسم، وسيطرة الجناح الموالي كليًا لإيران، بحيث يبدو الشيخ قاسم أسير هذا الجناح، على الرغم من ارتفاع بعض الأصوات الناقدة. ويرى الدبلوماسي نفسه أن استمرار الحرب سيساهم أكثر فأكثر في تمايز شرائح من بيئة "الحزب" عنه، وسيضاعف الضغط داخل التركيبة الحزبية التجرؤَ على الدعوة إلى التمايز عن السطوة الإيرانية، لاسيّما أن مفهوم ولاية الفقيه أثبت فشله في التجربة السياسية، إذ تبين أنه غطاء لخدمة الحسابات الإيرانية الصرفة وليس لخدمة الانتشار الشيعي خارج إيران.

وما يزيد من الأخطاء شبه المميتة لـ "حزب اللّه"، أنه أقحم نفسه تكرارًا وهذه المرة ميدانيًا في التعرّض لقبرص، مطلقًا أكثر من مسيّرة، ما دفع السلطات القبرصية إلى إقفال مطار لارنكا الرئيسي ساعات عدّة، فيما أعلنت ما يشبه الاستنفار الأهلي، إذ طلبت من الأهالي والسكان التزام الهدوء وإعداد ما يكفي من مونة ودواء وأموال نقدية تحسّبًا لمختلف الاحتمالات، مع ترتيب ما يمكن أن يشكّل ملاجئ آمنة نسبيًا في الطوابق الأرضية أو السفلية تحت الأرض.

ويترافق ذلك مع حالة استنفار عسكريّ في قبرص وحولها، من خلال إرسال طائرات وبوارج حربية يونانية إلى الجزيرة، فضلًا عن وضع فرنسا قواعدها في الشرق الأوسط والمحيط بتصرف الطيران الأميركي، وإرسالها حاملة الطائرات النووية شارل ديغول إلى السواحل القريبة من قبرص وانضمام فرقاطة إسبانية إلى الحشد البحري الغربي، علمًا أن لبريطانيا قاعدتين عسكريتين في قبرص وللأميركيين تواجدًا استخباريًا واستطلاعيًا متطوّرًا فيها.

هذا إن دلّ على شيء،  فعلى أن "حزب اللّه" ومن ورائه إيران، لم "يتركا صاحبًا لهما"، لا سيّما أن بعض الأوروبيين وبخاصة الفرنسيين حرصوا دائمًا على التواصل الدبلوماسي مع "الحزب" ومع طهران، لأسباب مختلفة، ما يعني أن ثمّة قرارًا كبيرًا انضمّت إليه أوروبا بتحجيم إيران ودفع "حزب اللّه" إلى الامتثال لشروط التخلّي عن سلاحه.