ديامان رحمه
ليست خيانة وطنية، الإضاءة على وضع المسيحيين في الجنوب، وليس تمييزاً طائفياً الكلام عنهم فيما عشرات القرى الشيعية التي استجاب أهلها لدعوة الرحيل القسري، هذه القرى تحتضن منطق الحزب وخياراته.
إنه الواقع، إذ ليس جديدًا على مسيحيي لبنان أن يجدوا أنفسهم في قلب عاصفة لا قرار لهم فيها.
وما يعيشه مسيحيو الجنوب اليوم يعيد طرح السؤال في صيغة قاسية: ماذايحدث عندما تصبح جماعة كاملة عالقة بين حرب تقررها قوى إرهابية، ودولة غائبة لا تستطيع أن تحمي أبناءها؟
بين نار حزب الله ونار إسرائيل، يقف أبناء القرى المسيحية في الجنوب أمام معادلة لم يختاروها.
معادلة تعيد لبنان، مرة أخرى، إلى جوهر أزمته القديمة: بلدٌ تعددي عاجز حتى اليوم عن بناء نظام سياسي يحمي تعدديته ويمنع أن تتحول خيارات بعض مكوناته إلى قدر مفروض على الجميع.
ففي القرى الجنوبية، يجد المسيحي نفسه مرة أخرى بين نارين: حرب تدور من حوله بين إسرائيل و«حزب الله»، وقرار كبير يُتخذ باسمه ونيابة عنه من دون أن يكون شريكًا فيه.
هو جزء من هذه الأرض، من تاريخها ك الاجتماعي والوطني، لكنه في لحظة الحرب يصبح شاهدًا على قرار لا يملكه.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه اللبنانيون منذ سنوات:
هل المشكلة في التعددية اللبنانية نفسها، أم في النظام الذي لم يعرف كيف يدير هذه التعددية؟
فلبنان لم يكن يومًا مجتمعًا متجانسًا، ولن يكون.
لقد نشأ أصلًا كمساحة عيش بين جماعات مختلفة في التاريخ والثقافة والخيارات السياسية وحتى في نظرتها إلى دور لبنان في المنطقة. لكن نجاح أي مجتمع تعددي لا يقوم فقط على الاعتراف بوجود هذا التنوع، بل على بناء نظام سياسي قادر على تنظيمه ومنع تحوله إلى صراع دائم.
في الدول المتعددة، تُبنى الأنظمة عادة على قاعدة واضحة: لا تُفرض الخيارات المصيرية على جماعات لا تشارك فيها.
فالاستقرار لا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على إدارته ضمن قواعد تضمن لكلّ مجموعة أن تعيش ضمن دولة تحميها، لا ضمن معادلة قوة تفرض عليها خيارات الآخرين.
في لبنان، جرى التعامل مع التعددية غالبًا كمسألة توازن طائفي، لا كمسألة تنظيم سياسي لخيارات مختلفة.
وهكذا بقي النظام هشًا: توازنات تتغير مع تغير موازين القوى، ودولة لا تمتلك القدرة الفعلية على حماية جميع أبنائها عندما تنفجر الصراعات.
فالقرى المسيحية في الجنوب ليست تفصيلًا طارئًا في الجغرافيا اللبنانية، هي جزء من تاريخ هذه المنطقة منذ قرون.
في بلدات مثل القليعة ورميش وعين إبل ودبل، تعيش عائلات مسيحية متجذرةفي الأرض، عرفت الحروب والاجتياحات والاحتلالات، لكنها بقيت مرتبطة ببيوتها وكنائسها وحقولها.
البقاء في هذه القرى المهددة ليس شجاعة فقط، هو الطريقة الوحيدة لحماية الوجود.
في القليعة، لم يسقط كاهن فقط، سقطت معه مرة أخرى فكرة أن لبنان دولة تحمي أبناءها.
كاهنٌ كان يفترض أن يكون رجل صلاة وسلام، فإذا به يصبح شاهدًا آخر على مأساة نظام في وطن لا يحمي أبناءه.
القليعة وعين ابل ورميش ودبل قرى مفتوحة على خيار المواجهة بالصمود والمقاومة بالأجساد والصلاة في أرض يعرفون أن الموت قد يمر فوقها في أيّ لحظة، وذلك ليس لأنهم لا يعرفون الخطر، بل لأنهم يعرفون ان الرحيل عن هذه الأرض التي مشى عليها المسيح وانتظرته فيها أمُّه، وبشّر فيها بولس، هو انتهاء للدور وانحلال للوجود والرسالة.
والبقاء في أرض مهددة بالموت ليس مجرد موقف عاطفي، إنه صرخة صامتة تقول للبنان كله:
في الجنوب، لا يختار الناس الحرب… لكنهم يختارون البقاء، مذكّرين لبنان ودولته بأن وطناً لا يُبنى إلا بحماية أبنائه، وليس بتركهم وحيدين على خط النار.
الأسئلة حول مستقبل لبنان وشكل نظامه، أسئلة مشروعة تحت النار… عَلّ الحديد يكونُ حامياً.