200 إسرائيلي في لبنان هذه قصّتهم!
30 May 201706:20 AM
200 إسرائيلي في لبنان هذه قصّتهم!

ربيع دمج

الراي الكويتية

هم أبناء الطائفة "المُخْتفية" أو "المتخفّية" التي دفعتْ ثمن الخلط بين اليهودي والإسرائيلي والصهيوني، والذين "ضاعتْ" هويّتهم اللبنانية و"اختبأ" وجههم الديني تباعاً منذ أن "خبت" هويّة فلسطين مع نكبة 1948.


هم أبناء الطائفة 18 في لبنان الذين كان عددهم يناهز 25 ألفاً قبل قيام دولة إسرائيل وحتى بعدها، ولم يبقَ منهم اليوم "على الورق" إلا نحو 5 آلاف ونيف، لا يعيش منهم بصورة دائمة في "بلاد الأرز" إلا نحو 200، إما تحوّل قسمٌ كبيرٌ منهم إلى المسيحية أو الإسلام، وإما اختاروا "حياة الظلّ" بعدما ذاق كثيرون قبلهم ذُلّ القمع والاضطهاد.

هم أبناء الطائفة المعترَف بها في لبنان رسمياً (منذ العام 1936 إبان الانتداب الفرنسي) تحت اسم "الطائفة الإسرائيلية"، والذين يحاولون منذ أعوامٍ العودة إلى "الضوء" من بوابة كنيس ماغن ابراهام في وادي أبو جميل (وسط بيروت) الذي نفض عنه غبار الحرب ويَنتظر مراسم افتتاحه رسمياً التي تأجّلتْ مرات عدّة. وإذا كان الدمار الذي لحِق بهذا الكنيس الذي بني العام 1925 وكان من أجمل المعابد اليهودية في الشرق الأوسط، شكّل العنوان الأبرز لما أصاب هذه الطائفة، خصوصاً قبيل الحرب اللبنانية (اندلعت العام 1975) وخلالها، فإن عودة الحياة إليه وتحوُّله مجدداً مركزاً للعبادة يبقى الإشارة الفعلية، المعلَّقة حتى اليوم، إلى أن يهود لبنان عادوا إلى صلب النسيج اللبناني وأنهم سيخرجون من "مخابئهم".

قبل أعوام قليلة، بلْسم كنيس ماغن ابراهام، الذي استعار هندسته من الفن العمراني إبان النهضة (هو من تصميم المهندس الشهير Bindo (Manham "جراحه" بتبرعاتٍ غالبيتّها من الجالية اللبنانية اليهودية في الخارج، ولكنه ما زال يقبع على "رصيف الانتظار" في ما كان يُعرف بـ "وادي اليهود" الذي شكّل قبل بدء "جولات الهجرة" المتلاحقة "عاصمة" يهود لبنان، وفيه بنوا مؤسساتهم التجارية والدينية ومدارسهم وجمعياتهم الشهيرة.

رئيس الطائفة اليهودية في لبنان اسحق أرازي، وكأن "في فمه ماء"، حين تحدّث مراراً عن انتهاء أعمال ترميم الكنيس التي اعتبرها "بمثابة فخر للمجتمع اليهودي ومحاولة للتأكيد على وجودهم في لبنان"، من دون أن يشير إلى أسباب التأخّر في افتتاحه، ولكن مع تأكيد "لو أردْنا أن ننشئ متحفاً، كنا سلّمناه للدولة. ما نريده هو أن يعود هذا الكنيس إلى طبيعته، أي أن يصبح مكاناً للعبادة مرّة أخرى".

في وادي ابو جميل، وحده هذا الكنيس الذي يحتوي على قناطر نُقشتْ عليها نجمة داود وكتابات باللغة العبرية يبقى الشاهد على عدم اندثار الطائفة اليهودية في لبنان، هي التي تحوّلت بدايةً طائفةً "مخيفة" بعد 1948، مروراً بنكسة 1967 والاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1978، ثم الواسع النطاق في 1982، إلى طائفة خائفة لم تَجد لها مكاناً في لبنان ما بعد الحرب وفي المصالحات الوطنية التي أرسى ركائزها اتفاق الطائف، وكأنّها "تُلفظ" من الفسيفساء اللبنانية بعدما دفعت ثمن التاريخ والجغرافيا ومصطلحاتٍ دينية وقومية.


مع بداية الحرب الأهلية في العام 1975، قرّر قسمٌ كبير منهم الهجرة إلى أي دولة آمنة، حالهم كحال أي لبناني آخر، وهذه المرحلة تُعتبر من "الهجرات الكبرى"، ونهايتها كانت العام 1982 إبان الإحتلال الإسرائيلي لبيروت ومناطق أخرى حيث غادر قسم من شباب اليهود الذين وافقوا على العرض الإسرائيلي الذي اقترحه آنذاك الجنرال آرييل شارون، ولكن هجرتهم لم تكن عادية أو شرعية إذ قاموا بالهروب ليلاً على دفعات من منازلهم في بيروت مستقلين مراكب صيد كانت ترسو على شاطئ "عين المريسة - بيروت" لتقلّهم إلى سفن كبيرة وسط البحر وتنقلهم نحو قبرص أولاً ومن هناك يتم توزيعهم بين فرنسا وأميركا وكندا، في حين أن قلة قليلة اختارت الذهاب إلى إسرائيل.
وقد استخدم شارون لإقناع عدد كبير ممن تبقى من يهود لبنان بالهجرة إلى إسرائيل، ذريعة أن المقاومة الإسلامية (حزب الله اليوم) ستقضي عليهم فقط لمجرّد أنهم يهود. وفعلاً غادر نحو 1600 يهودي وبقي آخرون رافضين هذا العرض. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا وهم موجودون وأصبحوا مسنّين. وبعضهم كي يهرب من هويته أمام جيرانه، فضّل التغلغل في حركات دينية حديثة كـ "شهود يهوه" أو جماعة "السبتيين" الذين ينتشرون بأعداد محدودة في منطقة الجديدة والسبتية شمال شرق بيروت.

ولم تمرّ تلك المرحلة من دون قصة حب اشتهرت وربطتْ بين فتاة يهودية وشاب مسلم من بيروت. وعنها كان روى العميد عيتاني (وهو كان من سكان هذه المنطقة)، موضحاً أنه في العام 1982 وقع شاب يعمل كنجّار في أحد المعامل في "وادي أبو جميل" بغرام فتاة يهودية من عائلة جاموس (وهي بالأصل من حلب ووالدتها لبنانية) ولكن طبعاً العائلة رفضت هذا الزواج، حتى أنها حاولتْ منْع ابنتها من الخروج من المنزل. وليلة الهروب المنظَّمة ليلاً، تركتْ ليديا جاموس وعائلتها منزلهم في هذا الحيّ وهربوا بواسطة مركب صغير مركون في منطقة عين المريسة إلى باخرة أقلّتهم نحو قبرص. وفي صباح اليوم التالي تفاجأ الشاب بأن منزل حبيبته خالٍ ولم يبق منه سوى الذكريات الفارغة.
وفي الخريطة الرقمية لأعداد اليهود المسجّلين حالياً في لبنان على لوائح الشطب الرسمية، فقد ضمّت اللوائح التي أعدّتها وزارة الداخلية اللبنانية خلال الانتخابات النيابية الأخيرة 5390 يهودياً لبنانياً، بينهم خمسة انتُخبوا في دائرة بيروت الأولى لمصلحة قوى 14 آذار بحسب ما ورد في لوائح مخاتير منطقة الأشرفية، بينهم صاحب أحد المصارف في بيروت جوزيف لاتي.


ويشكّل يهود بيروت النسبة الأكبر من أفراد الطائفة الموزَّعين بين منطقة الأشرفية والدورة والسبتّية وجديدة المتن ورأس بيروت سابقاً، وهؤلاء بحسب مختار الأشرفية أحمد بيضون، يصل عددهم الإجمالي إلى نحو 200 فرد (تحت خانة إسرائيلي)، "معظمهم تحوّلوا قسراً إما للديانة المسيحية أو الإسلامية هرباً من لفت أنظار الناس اليهم ولكنهم ما زالوا يمارسون شعائرهم سراً، وبعضهم انخرط في منظمات دينية ناشطة في لبنان والمنطقة" بحسب بيضون.

وعن أهمّ عائلاتهم فهي: مزراحي ـ سرور ـ بصل ـ بغدادي ـ كشك ـ ساسون ـ الراعي ـ سنونو ـ اللاتي ـ شمس ـ آرزاي ـ كوهين ـ ليفي ـ بوابة ـ روفاييل ـ جاموس ـ خضرا ـ أنزروح ـ تركيّة، وقد عمل غالبيتهم في تجارة المصارف والصياغة والخياطة، وقد برز منهم في ستينات القرن الماضي الدكتور حسني شمس الملقّب بأبو الفقراء كونه كان يعالج المحتاجين والبسطاء من كافة الطوائف مجاناً بحسب ما يردد أبناء بيروت ومختار الأشرفية.
أما عن أملاك اليهود العقارية داخل لبنان، فيقول محاميهم باسم الحوت إن "محلات اليهود كانت تشكل نسبة كبيرة من متاجر وسط بيروت وأسواق صيدا القديمة. وفي بيروت لا مشاكل مع هذه الأملاك، أما في صيدا فغالبيتها جرت مصادرته من أفراد أو أنه لا يزال مقفلاً. وسيأتي وقت ونبحث في الأمر، لأن الحق لا يموت".